ولما ساق هذا الطلب مساقا دالا على أنه شاك في أمره ، أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالّا على ذلك بالفاء المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن فعل موسى عليهالسلام : (فَأَلْقى عَصاهُ) وعن فعله هو سبحانه (فَإِذا هِيَ) أي العصا (ثُعْبانٌ مُبِينٌ) أي ظاهر في كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كأنه ينادي الناس فيظهر لهم أمره ، وهو موضح لصدق من تسبب عن فعله في جميع مقالته ؛ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ثعبانا أشعر فاغرا فاه ، بين لحييه ثمانون ذراعا ، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب من سريره هاربا وأحدث ، وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ، قتل بعضهم بعضا ، وصاح فرعون : يا موسى خذه وأنا أومن بك فأخذه فعاد عصا. ثم قال : هل معك آية أخرى؟ قال : نعم (وَنَزَعَ يَدَهُ) أي أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقة أدما كما كانت وهو عنده (فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ) ونبه على ثبات بياضها وزيادة إعجابه بقوله : (لِلنَّاظِرِينَ) قال أبو حيان : أي للنظارة ، وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب لهم إلا إذا كان بياضها خارجا عن العادة ، وقال ابن عباس : صارت نورا ساطعا يضيء ما بين السماء والأرض ، له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم ، وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين : أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء ، والآخر في غير نفسه وهي العصا التي يمسكها بيده ، وجمع بذينك تبديل الذوات من الخشبية إلى الحيوانية ، وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع ، فكانا دالين على جواز الأمرين ـ انتهى.
ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان ، اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال : (قالَ الْمَلَأُ) أي الأكابر (مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ) ما تلقفوه من فرعون واحدا بعد واحد ، يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ) أي فهذا الذي رأيتموه أيها الناس من تخييله ما لا حقيقة له ، فلا تبادروا إلى متابعته.
ولما كان ذلك خارجا عما ألفوه من السحرة قالوا : (عَلِيمٌ) أي بما هم فيه ، بالغ في علمه إلى حد عظيم ، فلذلك جاء ما رأيتم منه فوق العادة ، فكأن فرعون قال ذلك ابتداء ـ كما في سورة الشورى ـ فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله ، يقوله بعضهم لبعض إعلاما بأنهم على غاية الطواعية له خوفا على رئاستهم تحقيقا لقوله تعالى (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ) [الزخرف : ٥٤] واختير هنا إسناده إليهم ، لأن السياق للاستدلال على فسق الأكثر ، وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه أنزل آية خضعوا لها كما خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليهالسلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب عبيده ـ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
