ينبغي للمربوب ، ولا ينبغي الجزم بأمر يستقبل إلا لله ربنا لإحاطة علمه ، والآية تدل على أنه كان في الأزل عالما بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن «وسع» ماض ، وقد تقدم في الأنعام أن قول الخليل عليهالسلام وهذا وآية الكهف من مخبر واحد ـ والله أعلم.
ولما كان المراد من هذا ما ذكر ، كان مزعجا للقلوب مقلقا للنفوس مزعزعا للخواطر مزلزلا للأفكار بتأمل هذه الأخطار المشفية على غاية الخسار ، فكأن المؤمنين قالوا : ما العمل وأين المفر؟ فقال : (عَلَى اللهِ) أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ، وحده لا على غيره (تَوَكَّلْنا) أي فوضنا جميع أمورنا إليه ، وهو أكرم من أن يختار لنا غير الأرشد وقد تبرأنا من حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته ، وجعلنا جميع أمورنا كلها محمولة على قدرته كما يحمل الوكيل أمر موكله عنه ويريحه من همه وقلقه منه.
ولما جرت العادة بأن الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله ، أتبع ذلك الدعاء بالحكم بما يقتضيه ظاهر الحال من نصر المحقّ وخذل المبطل فقال : (رَبُّنا) أي أيها المحسن إلينا (افْتَحْ) أي احكم (بَيْنَنا) ولما كان يريد استعطافهم لإسعادهم قال : (وَبَيْنَ قَوْمِنا) وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء بهدايتهم ، وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه (بِالْحَقِ) أي بالأمر الفيصل من معاملة كل من المحقّ والمبطل بما يستحقه شرعا وعرفا بحيث يكون لكل فريق باب يصل به إلى غاية أمره وهذا مقام الإنصاف ، فقد علم من إشارة قوله العناية بقومه ، ومن عبارته الإنصاف من نفسه ، ولو أراد ترجيح نفسه ومتبعيه لدعا لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل ، والآية معلمة بأن له تعالى أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب العاصي وإثابة الطائع وعكس ذلك ، (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الأنبياء : ٢٣] لأنه التام الملك العظيم الملك الشامل القدرة الحكيم الخبير ، ويجوز أن يكون المراد : لا نعود إلى ما كنا عليه من السكوت عن دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا أن يشاء الله سكوتنا بأمر يحدثه إلينا في ذلك لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها علومنا ، فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا ، فله الخلق والأمر.
ولما أشار إلى الدعاء لقومه ، أشار ـ بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر ـ إلى أن التقدير : فأنت خير الراحمين : (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) أي على من سدت عليه الأبواب ولم يجد مخلصا.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
