[البقرة : ١٣١] أوائل أمرهم ، وهذا كما سومت الحجارة لقريش ـ لما أجمعوا أن يرجعوا بعد توجههم عن غزوة أحد من الطريق ـ ليفزعوا من النبي صلىاللهعليهوسلم وأصحابه على زعمهم ، كما قال صلىاللهعليهوسلم «والذي نفسي بيده! لقد سومت لهم الحجارة ، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب» (١) ولكنه صلىاللهعليهوسلم لما كان رسول رحمة لم يقض الله برجوعهم فمضوا حتى أسلم بعد ذلك كثير منهم ، وكما أمطر الله الحجارة على أصحاب الفيل سنة مولده صلىاللهعليهوسلم حماية لبلده ببركته.
ولما انقضت هذه القصة العجيبة في القصص ، أعاد النسق الأول فقال : (وَإِلى مَدْيَنَ) أي أرسلنا ، وهي بلد ، وقيل قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم الخليل عليهالسلام (أَخاهُمْ) أي من النسب ، وبينه بقوله : (شُعَيْباً) وهو موصوف بأنه خطيب الأنبياء عليهمالسلام لحسن مراجعة قومه ؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق : (قالَ يا قَوْمِ) دالا على النصيحة والشفقة بالتذكير بالقرابة ، وبدأ بالأصل المعتبر في جميع الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهمالسلام فقال : (اعْبُدُوا اللهَ) أي الذي يستحق العبادة لذاته بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى.
ولما كان المراد إفراده بالعبادة لأنه لا يقبل الشرك لأنه غني ، علل ذلك بقوله : (ما لَكُمْ) وأغرق في النفي بقوله : (مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم استأنف التذكير بما دل على صحة دعواه في نفسها وصدقه في دعوى الرسالة بقوله : (قَدْ جاءَتْكُمْ) أي على يدي (بَيِّنَةٌ) ولما كنا عالمين من قول النبي صلىاللهعليهوسلم الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه «ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» (٢) أن هذه البينة معجزة ، مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ذكرها لنا ، لم تعن ؛ ثم زادهم ترغيبا بقوله : (مِنْ رَبِّكُمْ) أي الذي لم تروا إحسانا إلا منه.
ولما كان إتيانه بالبينات سببا لوجوب امتثال أمره ، قال مسببا عنه : (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ) أي والمكيال والوزن (وَالْمِيزانَ) أي ابذلوا ما تعطون بهما وافيا ، فالآية من الاحتباك ، وكان المحكي عنه هنا من أوائل قوله لهم فترك التأكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط.
ولما كان الأمر بالوفاء يتضمن النهي عن البخس ، صرح به على وجه يعم غيره
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٢٣٩ و ١٥٢ وأحمد ٢ / ٤٥١ من حديث أبي هريرة.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٤٩٨١ ومسلم ١٥٢ وأحمد ٢ / ٤٥١ من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
