واطمأنوا ، أخذ في قص ما كان بعده ، فقال مشيرا بالفاء إلى قلة زمن الإنكار الذي هو سبب الفزع : (فَلَمَّا ذَهَبَ) بانكشاف الأمر (عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ) أي الخوف والفزع الشديد (وَجاءَتْهُ الْبُشْرى) فامتلأ سرورا (يُجادِلُنا) أي أخذ يفعل معنا بمجادلة رسلنا فعل المجادل الذي يكثر كلامه إرادة الفتل مخاطبه عما يقوله (فِي قَوْمِ لُوطٍ) أي يسألنا في نجاتهم سؤالا يحرص فيه حرص المجادل في صرف الشيء ، من الجدل وهو الفتل ، ووضع المضارع موضع الماضي إشارة إلى تكرر المجادلة مع تصوير الحال ، أي جادلنا فيهم جدالا كثيرا ؛ ثم علل مجادلته بقوله : (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ) أي بليغ الحلم ، وهو إمهال صاحب الذنب على ما يقتضيه العقل (أَوَّاهٌ) أي رجاع للتأوه خوفا من التقصير (مُنِيبٌ) أي رجاع إلى الله بالسبق في ارتقاء درج القرب ، فهو ـ لما عنده هذه المحاسن ـ لا يزال يتوقع الإقلاع من العصاة. ولما كان أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما له من هذه الصفات الجليلة ، أعلمه الله أن الأمر قد ختم بقوله حكاية أن الرسل قالت له بعد طول المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاما بأن ما بعدها عظيم الشأن عالي المنزلة : (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ) أي بكليتك (عَنْ هذا) أي السؤال في نجاتهم ؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأنه بمجادلته في حيز من ينكر بتّ الأمر : (إِنَّهُ قَدْ) افتتحه بحرف التوقع لأنه موضعه (جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أي الذي عودك بإحسانه الجم ، فلولا أنه حتم الأمر بعذابهم لأمهلهم لأجلك ، ولذا عطف على العلة قوله مؤكدا إعلاما بأنه أمر قد انبرم ومضى : (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ) أي إتيانا ثابتا (عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أي بوجه من الوجوه من أحد كائنا من كان ؛ والإعراض : الانصراف ، وحقيقته الذهاب عن الشيء في جهة العرض ؛ والرد : إذهاب الشيء إلى ما جاء منه كالرجع ؛ والدفع أعم لأنه قد يكون إلى جهة القدام ؛ فلما علم مراد الله تعالى فيهم ، قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة.
ذكر هذه القصة من التوراة : قال في السفر الأول : واستعلن الله لإبراهيم في مرج ـ وفي نسخة : بين بلوط ممرى الأموراني ـ وكان جالسا على باب خيمته إذ اشتد النهار ، فرفع عينيه فنظر فإذا هو بثلاثة رجال وقوف على رأسه ، فلما رآهم أحضر إليهم من باب الخيمة وسجد على الأرض وقال : يا رب ـ وفي نسخة : يا ولي الله ـ إن كان لي عندك مودة فلا تبعد عن عبدك حتى آتي بماء أغسل به أرجلكم ، واتكئوا تحت الشجرة وأصيبوا شيئا من الطعام تقرون به أنفسكم ، ثم حينئذ تجوزون لأنكم مررتم بعبدكم بغتة ، فقالوا له : اصنع كما قلت ، فاستعجل إبراهيم فأحضر إلى الخيمة إلى سارة وقال : عجلي بثلاثة آصع من درمك ـ وفي نسخة : دقيق سميد ـ فاعجنيه واخبزي منه مليلا ،
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
