ولما كان ربما قال الكفار : ما له إذا كان قادرا وأنت محق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان بتأويله ، بين أن عادته الأناة وإن كان أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده ، فقال : (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أي في مقدارها ؛ ولما كان تدبير هذا الخلق أمرا باهرا لا تسعه العقول ، ولهذا كانت قريش تقول : كيف يسع الخلق إله واحد! أشار إلى عظمته وعلو رتبته بأداة البعد فقال : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) أي أخذ في التدبير لما أوجده وأحدث خلقه أخذا مستوفى مستقصى مستقلا به لأن هذا شأن من يملك ملكا ويأخذ في تدبيره وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه وليكون خطاب الناس على ما ألفوه من ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمته سبحانه ، وركز في فطرهم الأولى من نفى التشبيه منه ، ويقال : فلان جلس على سرير الملك ، وإن لم يكن هناك سرير ولا جلوس ، وكما يقال في ضد ذلك ، فلان ثل عرشه ، أي ذهب عزه وانتقض ملكه وفسد أمره ، فيكون هذا كناية لا يلتفت فيه إلى أجزاء التركيب ، والألفاظ على ظواهرها كقولهم للطويل : طويل النجاد ، وللكريم : عظيم الرماد.
ولما كان سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ، ابتدأ من التدبير بما هو آية ذلك بمشاهدته في تغطية الأرض بظلامه في آن واحد ، فقال دالا على كمال قدرته المراد بالاستواء بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعه التي جعل سبحانه بها انتظام هذا الوجود : (يُغْشِي) أي استوى حال كونه يغشي (اللَّيْلَ النَّهارَ) وقال أبو حيان : وقرأ حميد بن قيس : يغشى الليل ـ بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام ، كذا قال عنه أبو عمرو الداني ، وقال أبو الفتح بن جني عن حميد بنصب الليل ورفع النهار ، وقال ابن عطية : وأبو الفتح أثبت ، وهذا الذي قاله ـ من أن أبا الفتح أثبت ـ كلام لا يصح ، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءة ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءة فضلا عن النحاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القراءة عن أحد ولا روى عنهم القراءة أحد ، هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية ، فقد رأيت له كتابا في كلا وكتابا في إدغام أبي عمرو الكبير دلا على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه ، والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى ، لأن ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ (اللَّيْلَ) في قراءتهم ـ وإن كان منصوبا ـ هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيره مفعولا ، ولا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا من حيث المعنى ، لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى ، فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في : ملكت زيدا عمرا ، إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
