حديثه لشدة اهتمامه به تنبيها على ذلك ، ولا يرجع إليه إلا على غاية ما يكون من حسن الربط وبراعة التناسب ، وعطفها بالواو دون الفاء لأن ذلك ليس مسببا عما قبله كما سبق في الآية الأولى ، أي لا تستغفر لهم ولا تصل عليهم ولا يعجبك قولهم : مستعطفين لك في طلب محبتك وإن زخرفوه وأكدوه بالأيمان التي اتخذوها جنة (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ) وأسند النهي إليها إبلاغا فيه.
ولما لم يكن هنا ما اقتضى تأكيد النفي مما مضى في الآية الأولى ، لم يعد النافي ولا أثبت اللام ولا الحياة فقال : (وَأَوْلادُهُمْ) أي وإن أظهروا أنهم يجاهدون بها معك ويتقربون بها إلى الله فإن الله لا يريد بهم ذلك فلا ييسره لهم لما علم من مباعدتهم للخير وعدم قابليتهم له فلا يحملك الإعجاب بشيء من ذلك على فعل شيء مما تقدم النهي عنه تأليفا لأمثالهم للمساعدة بأولادهم وأموالهم وتطييبا لقلوب المؤمنين من أولادهم ، فإنهم إن كانوا مؤمنين لم يضرهم ترك ذلك وإلا فبعدا لهم وسحقا (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ) أي بعزه وعظمته وعلمه وإحاطته (أَنْ يُعَذِّبَهُمْ) أي تعذيبهم (بِها) فالفعل واقع بخلافه في الآية السابقة (فِي الدُّنْيا) أي بجمعها ومحبة الإخلاد إليها وإلى الأولاد إن كانوا مثلهم في الاعتقاد وإلا كانوا زيادة عذاب لهم في الدارين (وَتَزْهَقَ) أي تخرج بغاية العسر (أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ) لاغترارهم بها (كافِرُونَ) ولا شك أن خطاب الرأس بشيء أوقع في قلوب أصحابه فلذلك وقع الخطاب للنبي صلىاللهعليهوسلم والمراد غيره من أتباعه وجماعته وأشياعه ممن قد يجنح إلى الأسباب ويقف عنده كما هو طبع النفوس في تأمل ما شهد ونسيان ما غاب وعهد تدريبا لهم على الحب في الله والبغض فيه لأنه من أدق أبواب الدين فهما وأجلها قدرا ، وعليه تبتنى غالب أبوابه ، ومنه تجتنى أكثر ثمراته وآدابه ، وذلك أنه ربما ظن الناظر فيمن بسطت عليه الدنيا أنه من الناجين فيوادّه لحسن قوله غافلا عن سوء فعله ، أو يظن أن أهل الدين فقراء إلى مساعدته لهم في جهاد أو غيره بما له وذويه روية فيداريه ، فأعلمهم تعالى أن ما هذا سبيله مقطوع البركة نهيا عن النظر إلى الصور وتنبيها على قصر الأنظار على المعاني (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) [المائدة : ١٠٠] ـ الآية (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون : ٤١].
(وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
