والرسل ، كل ذلك ليتمكنوا من العمل بالأغراض والأهوية ، فإن اتباع الرسل حاسم للشهوات ، وهم أبعد الناس عن ذلك.
ولما حقر شأنهم ، هدمه بالكلية بقوله : (بِأَفْواهِهِمْ) أي بقول خال عن شيء يثبته أو يمضيه وينفذه ، وفي تسمية دينه نورا ومعاندتهم إطفاء بالأفواه تمثيل لحالهم بحال من يريد إطفاء نور الشمس بنفخه (وَيَأْبَى) أي والحال أنه يفعل فعل الأبيّ وهو أنه لا يرضي (اللهِ) أي الذي له جميع العظمة والعز ونفوذ الكلمة (إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) أي لا يقتصر على مجرد إشراقه ، بل وعد ـ وقوله الحق ـ بأنه لا بد من إكماله وإطفائه لكل ما عداه وإحراقه. ولما في «يأبى» من معنى الجحد دخل عليه الاستثناء ، أي إنه يأبى كل حالة إلا حالة إتمامه نوره على التجدد والاستمرار (وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) أي العريقون في الكفر فكيف بغيرهم.
ولما أخبر أنه معل لقوله ومكمل ، ومبطل لقولهم ومسفل ، علل ذلك بما حاصله أنه شأن الملوك ، وهو أنهم إذا برز لهم أمر شيء لم يرضوا أن يرده أحد فإن ذلك روح الملك الذي لا يجازى الطاعن فيه إلا بالهلك فقال : (هُوَ) أي وحده (الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) أي محمدا صلىاللهعليهوسلم (بِالْهُدى) أي البيان الشافي بالمعجزات القولية والفعلية (وَدِينِ الْحَقِ) أي الكامل في بيانه وثباته كمالا ظاهرا لكل عاقل ؛ ثم زادهم جرأة على العدو بقوله معللا لإرساله : (لِيُظْهِرَهُ) أي الرسول صلىاللهعليهوسلم والدين ـ أدام الله ظهوره (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وساق ذلك كله مساق الجواب لمن كأنه قال : كيف نقاتلهم وهم في الكثرة والقوة على ما لا يخفى؟ فقال : لم لا تقاتلونهم وأنتم لا تعتمدون على أحد غير من كل شيء تحت قهره ، وهم إنما يعتمدون على مخاليق مثلكم ، كيف لا تجسرون عليهم وهم في قتالكم إنما يقاتلون ربهم الذي أنتم في طاعته؟ أم كيف لا تصادمونهم وهو الذي أمركم بقتالهم لينصركم ويظهر آياته؟ ولعل الختم بقوله : (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أبلغ لأن الكفر قد لا يكون فيه عناد ، والشرك مبناه على العناد باتخاذ الأنداد ، أي لا بد من نصركم خالف من خالف مجرد مخالفة أو ضم إلى ذلك العناد بالاستعانة بمن أراد.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
