للبحر معه حتى وقع في بحر مصر والشام ، ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها ، وأتى على بيروت ونفذ إلى سواحل حمص وقنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطا على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق ، وأقبل جبل السراة من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام فسمته العرب حجازا لأنه حجز بين الغور ونجد فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه الغور وهو تهامة ، وما دونه في شرقيه نجدا. انتهى.
ولما كان ما والاها من أرض الشام ونحوها كله أنهار أو جداول ، جعل كأنه بحر لأنه في حكم شاطئه ، ولما كان قوامهم بالمتاجر ، وكان قوام المتاجر باجتماعهم في أسواقهم ، وكان نفيهم من تلك الأراضي مظنة لخوف انقطاع المتاجر وانعدام الأرباح المفضي إلى الحاجة وكان قد أمر بنفيهم رعاية لأمر الدين ، وكان سبحانه عالما بأن ذلك يشق على النفوس لما ذكر من العلة ولا سيما وقد قال بعضهم لما قرأ علي رضي الله عنه آيات البراءة على أهل الموسم : يا أهل مكة! ستعلمون ما تلقونه من الشدة بانقطاع السبيل وبعد الحمولات ، وعد سبحانه ـ وهو الواسع العليم ـ بما يغني عن ذلك ، لأن من ترك الدنيا لأجل الدين أوصله سبحانه إلى مطلوبه من الدنيا مع ما سعد به من أمر الدين «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه» فقال : (وَإِنْ خِفْتُمْ) أي بسبب منعهم من قربان المواطن الإلهية (عَيْلَةً) أي فقرا وحاجة (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ) أي وهو ذو الجلال والإكرام (مِنْ فَضْلِهِ) وهو ذو الفضل والطول والقوة والحول.
ولما كان سبحانه الملك الغني القادر القوي الذي لا يجب لأحد عليه شيء وتجب طاعته على كل شيء ، نبه على ذلك بقوله : (إِنْ شاءَ) ولما كان ذلك عندهم مستبعدا ، علل تقريبا له بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (عَلِيمٌ) أي بوجوه المصالح (حَكِيمٌ) أي في تدبير استجلابها وتقدير إدرارها ولقد صدق سبحانه ومن أصدق منه قيلا فإنه أغناهم ـ بالمغانم التي انتثلها بأيديهم بعد نحو ثلاث سنين من إنزالها من كنوز كسرى وقيصر ـ غنى لم يطرق أوهامهم قط ، ثم جعل ذلك سببا لاختلاط بعض الطوائف من جميع الناس ببعض لصيرورتهم إخوانا في الدين الذي كان سببا لأن يجتمع في سوق منى وغيره في أيام الحج كل عام من المتاجر مع الغرب والعجم ما لا يكون مثله في بقعة من الأرض ، والعيلة : الفاقة والافتقار ، ومادتها بهذا الترتيب تدور على الحاجة وانسداد وجوه الحيلة وقد تقدم أول النساء أنها ـ لا بقيد ترتيب ـ تدور تقاليبها الثمانية على الارتفاع ويلزمه الزيادة والميل ، ومنه تأتي الحاجة ، وبرهن على ذلك في جميع الجزئيات.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
