شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء ، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه ، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس ، وأما الطعام فيلحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف ، ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أي لا يكرمهم ، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر ، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن ، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي صلىاللهعليهوسلم «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس» (١) و «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن» (٢) و «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» (٣) أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال الأطباء : الأمعاء سبعة ، فالمعنى حينئذ أن الكافر يأكل شبعا فيملأ الأمعاء السبعة ، والمؤمن يأكل تقوتا فيأكل في معى واحد ، وذلك سبع بطنه ، وإليه الإشارة بلقيمات ، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث ـ والله أعلم ـ وسبب الآية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف ، يقولون : لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها ، ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ومن ولده ، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما ، فقال المسلمون : يا رسول الله! فنحن أحق أن نفعل ذلك ـ فأنزلت (٤).
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤))
__________________
(١) صحيح. أخرجه الترمذي ٢٣٨٠ والنسائي في الكبرى ٦٧٦٨ و ٦٧٦٩ وابن ماجه ٣٣٤٩ وابن حبان ٦٧٤ و ٥٢٣٦ والحاكم ٤ / ١٢١ والقضاعي ١٣٤٠ و ١٣٤١ والطبراني ٢٠ / (٦٤٦) وأحمد ٤ / ١٣٢ من حديث المقدام بن معد يكرب وذكره ابن حجر في شرحه على البخاري ٩ / ٥٢٨ وحسنه ، وسكت عنه الحاكم ، وقال الذهبي : صحيح. وقال الترمذي : حسن صحيح.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٥٣٩٧ و ٥٣٩٦ ومسلم ٢٠٦٣ والترمذي ١٨١٩ وابن ماجه ٣٢٥٦ وابن حبان ١٦١ و ١٦٢ ومالك ٣ / ١٠٩ وأحمد ٢ / ٢٥٧ من حديث أبي هريرة.
(٣) مرسل. أخرجه الواحدي في أسبابه ٤٥٣ من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا ، ولم يذكرها في آخره (كانوا لا يأكلون الطعام ...). وعجزه عند الواحدي لكن برقم ٤٥٤ من طريق الكلبي وهو متهم. وانظر الدرر المنثور ٣ / ٤٥ [الأعراف : ٣١]. وله شاهد عند مسلم برقم ٣٠٢٨ من حديث ابن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت ، وهي عريانة ، فتقول : من يعيرني تطواقا تجعله على فرجها ... فنزلت هذه الآية : (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
