سبحانه عليه من الخصال الحميدة والأخلاق السديدة فأسلم كل من اشتملت عليه جزيرتهم بعد وقائع كثيرة في زمان النبي صلىاللهعليهوسلم وزمان الردة ، ولم تبلغ قتلاهم فيما أظن عشرة آلاف إنسان ، ثم لما جاهدوا الأعاجم من فارس والروم وغيرهم كانت قتلى الكفار تبلغ في المعركة الواحدة مائة ألف ومائتي ألف ـ كما هو مشهور في كتب الفتوح للمدائني وسيف وابن عبد الحكم والبلاذري وغيرهم ، وقد جمع أشتات ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش ؛ ولعله حذف في الثانية التقييد بالكفار ليشمل كل من استحق القتال من البغاة وغيرهم ، فقال تعالى مسببا عن التخفيف المذكور رادا الأمر من إيجاب مصابرة عشرة إلى الأمر بمصابرة الضعف ، فإن زاد العدد على الضعف جاز الفرار والصبر أحسن : (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ) أي الصبر الذي تقدم التنبيه عليه (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) أي من غيركم بإذن الله (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ) أي على النعت المذكور وهو الصبر (يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) ثم أرشد إلى أن المراد بالصبر هو كل المأمور به في آية (إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) [الأنفال : ٤٥] فقال : (بِإِذْنِ اللهِ) أي بإرادة الذي له جميع الأمر ، ذلك وإباحته لكم وتمكينه ، فإن لم يقع الإذن لم يقع الظفر ، فالآية من الاحتباك : ذكر في الأول صابرة دلالة على حذفه ثانيا ، وذكر ثانيا الإذن دليلا على حذفه أولا ؛ ثم نبه على عموم الحكم بقوله : (وَاللهُ) أي المحيط بصفات الكمال (مَعَ الصَّابِرِينَ) أي بنصره ومعونته ، ومن ثم قال ابن شبرمة : وأنا أرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك. ومادة «إذن» ـ مهموزة وغير مهموزة وواوية ويائية بتقاليبها الأربعة : إذن ذان ذون ذين ـ ترجع إلى العلم الناشىء عن حاسة السمع المتعلق بجارحة الأذن ، وتارة يثمر الإباحة وتارة المنع ، فأذن بالشيء ـ كسمع : علم به «فأذنوا بحرب» أي كونوا على علم من أن حربكم أبيح. وأذن له بالشيء ـ كسمع أيضا : أباحه له ، وآذنه الأمر وبه : أعلمه ـ وزنا ومعنى ، فجعله مباحا له أو ممنوعا منه ، وأذّن فلانا تأذينا : عرك أذنه ، وأذّنه : رده عن الشرب فلم يسقه ، كأن التفعيل فيه للإزالة ، وآذن النعل وغيرها : جعل لها أذنا ، وفعله بإذني : بعلمي وتمكيني ، وأذن إليه وله ـ كفرح : استمع بأذنه ، أي أباح ذلك سمعه وقلبه ، وأذن لراتحة الطعام : اشتهاه كأنه أباحه لنفسه ، وآذنه إيذانا : أعجبه ، مثل ذلك سواء ، وآذنه أيضا : منعه ، كأنه الهمزة للإزالة ، والأذن : الجارحة المعروفة ـ بضمة وبضمتين ـ والمقبض والعروة من كل شيء وجبل ، لأن كلا من ذلك سبب للتمكن من حمل ما هو فيه ، والأذن : الرجل المستمع القابل كل ما يقال له كأنه لما قبله أباحه قلبه ومكنه منه ، والأذان : النداء إلى الصلاة لأنه إعلام بإباحتها والمكنة منها ، وتأذن : أقسم وأعلم ، وتارة يتأثر عنه إباحة ومكنة من الشيء وتارة منع
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
