عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) [الأعراف : ١٦٩] (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) [الأعراف : ١٧٦] وهذه بعينها كانت آفة إبليس ، رأى لنفسه المزيد واعتقد لها الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الحجر : ٣٣] فلما كان اتباع الهوى أصلا في الضلال وتنكب الصراط المستقيم ، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء ، والتسليم فيما لهم به تعلق وإن لم يكن هوى مجردا لكنه مظنة تيسير لاتباع الهوى ، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله ، يحكم فيها ما يشاء (فَاتَّقُوا اللهَ) واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) برفع التنازع ، وسلموا لله ولرسوله ، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة ، وبيانه في قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) ـ الآيات ، ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصا بالتقوى وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل ، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا) [البقرة : ١٠٤] ولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) افتتح خطاب هذه الأمة بما يشعر بتفضيلهم ، وتأمل ما بين (يا بَنِي إِسْرائِيلَ) و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وأمر أولئك بالإيمان (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ) [البقرة : ٤١] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل (وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا) [البقرة ؛ ١٠٤] ثم أعقبت البقرة بآل عمران وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذي من جهته أتى على بني إسراءيل في كثير من مرتكباتهم ، ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيها ، أعقبت بقوله تعالى ؛ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) [آل عمران : ١٠٠] ثم أعقبت السورة بقوله (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) [النساء : ١] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة ، وذلك أن سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار (هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) [النساء : ٥١] فهذا بهت ، ومنها قولهم (اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) [آل عمران : ١٨١] إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن تعمدهم الجرائم ، فعدل عن (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى (يا أَيُّهَا النَّاسُ) ليكون أوقع في الترتيب وأوضح مناسبة لما ذكر ، ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ) ـ إلى قوله : (وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) [النساء : ١٦٠ ـ ١٦١] أتبعت بقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة : ٥١] ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
