من معين ، قال بانيا للمفعول : (سَيُجْزَوْنَ) أي في الدنيا والآخرة بوعد لا خلف فيه (ما كانُوا) أي بجبلاتهم (يَعْمَلُونَ) أي فيفعل بهم من أنواع الإهانة والعقوبة ما يوجب وصفهم بأقبح الأوصاف ضد ما كانوا يسمعونه في الدنيا ممن يدانيهم.
ولما أخبر تعالى عن ذرء جهنم من القبيلتين ، تشوف السامع إلى معرفة حال الباقين منهما ، فقال مصرحا بالخبر عنهم عاطفا على (وَلَقَدْ ذَرَأْنا) [الأعراف : ١٧٩] مشيرا بمن التبعيضية إلى قلتهم تصديقا لقوله (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) [الأعراف : ١٠٢] (وَمِمَّنْ خَلَقْنا) أي بما لنا من العظمة (أُمَّةٌ) أي جماعة عرفت من هو أهل لأن يؤم ويهتدى به فقصدته فاقتبست من أنواره فصارت هي أهلا لأن تقصد ويؤتم بها.
ولما أفهم لفظ الأمة هذا صرح به في قوله : (يَهْدُونَ بِالْحَقِ) أي الثابت الذي يطابقه الواقع (وَبِهِ) أي الحق خاصة (يَعْدِلُونَ) أي يجعلون الأمور متعادلة ، لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص ، لأنا وفقناهم فكشفنا عن بصائرهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك ، قال أكثر المفسرين : هم أمة محمد صلىاللهعليهوسلم ، ورواه بعضهم عن النبي صلىاللهعليهوسلم وأبهم الأمر بعد تعيين قوم موسى عليهالسلام تعظيما لهم.
ولما بين حال الهادين المهديين ، وكان أصل السياق للضالين المضلين ، أتبعه بقية الحديث عنهم على وجه ملوح بأن علة الهداية التوفيق ، فقال عاطفا على ما تقديره : فنحن نعلي أمرهم ونطيب ذكرهم : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا) أي نسبوا الرسل إلى الكذب بسبب إتيانهم (بِآياتِنا) على ما يشاهد من عظمتها (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) أي نستنزلهم ونستدنيهم بوعد لا خلف فيه إلى ما نريد بهم من الشر العظيم درجة درجة بسبب أنهم كلما أحدثو جريمة أسبغنا عليهم نعمة ، وإذا عملوا طاعة قصرنا عنهم في الإنعام ، أو ضربناهم بسوط الانتقام ، فيظنون أن المعاصي سبب النعم فينسلخون من الدين ، ولذلك قال : (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أي فيرتكبون ما يتعجب من مداناته فضلا عن مباشرته ومعاناته من له أدنى بصيرة حتى يكمل ما نريد منهم من المعاصي ، وهو من أدلة (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ) وأتى في الاستدراج بأداة العظمة وفي الإملاء بضمير الواحد فقال : (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي أمهلهم بوعد جازم زمانا طويلا وأمد لهم وهم يعصون حتى يظنوا أن الله يحبهم حتى يزيدوا في ذلك لأنهم لا يفعلون شيئا إلا بمرادي ولا يفوتوني ولم يأت بهما على نهج واحد ، لأن الاستدراج يكون بواسطة وبغيرها ، فكأنه قال : سأستدرجهم بنفسي من غير واسطة تارة وبمن أتيح لهم النعم على يده من عبيدي وجنودي أخرى ، وأما الإملاء وهو تطويل الأجل ـ فلا يتصور أن يكون إلا من الله تعالى.
ولما كان هذا موجبا لهم ـ ولا بد ـ الإصرار على المعاصي حتى يصلوا إلى ما
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
