أمر كل ذي جد فأزين لمن علمت خباثة عنصره ورداءة جوهره ما أريد حتى يرتكبوا كل قبيحة ويتركوا كل مليحة ، فينصرفون عن الآيات ويعمون عن الدلالات الواضحات.
ولما أخبر بتكبرهم في الحال ، عطف عليه فعلهم في المآل فقال : (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ) أي مرئية أو مسموعة (لا يُؤْمِنُوا بِها) أي لتكبرهم عن الحق (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ) أي طريق (الرُّشْدِ) أي الصلاح والصواب الذي هو أهل للسلوك (لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) أي فلا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد ، بل إن سلكوه فعن غير قصد (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِ) أي الضلال (يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) أي بغاية الشهوة والتعمد والاعتمال لسلوكه.
ولما كان هذا محل عجب ، أجاب من يسأل عنه بقوله : (ذلِكَ) أي الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرشاد (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنهم (كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي على ما لها من العظمة (وَكانُوا عَنْها) أي خاصة جبلة وطبعا (غافِلِينَ) أي كان دأبهم وديدنهم معاملتهم لها بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فهم لذلك يصرون على ما يقع منهم.
ولما ذكر أحوال المتكبرين الذي أداهم كبرهم إلى التكذيب في الدنيا ، ذكر أحوالهم في الآخرة فقال : (وَالَّذِينَ) أي كذبوا بها والحال أن الذين (كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي فلم يعتبروا عظمتها (وَلِقاءِ الْآخِرَةِ) أي ولقائهم إياها أو ولقائهم ما وعدوا به فيها ، اللازم من التكذيب بالآيات الحامل التصديق بها على معالي الأخلاق (حَبِطَتْ) أي فسدت فسقطت (أَعْمالُهُمْ) والآية من الاحتباك : إثبات الغفلة أولا يدل على إرادتها ثانيا ، واللقاء ثانيا يدل على إرادته أولا.
ولما كان كأنه قيل : لم بطلت؟ قيل : (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما) أي جزاء ما (كانُوا يَعْمَلُونَ) أي بإبطال أعمالهم وإن عملوا كل حسن سوى الإيمان بسبب أنهم أبطلوا الآيات والآخرة بتكذيبهم بها ، أي عدوها باطلة ، والجزاء من جنس العمل ، والحاصل أنهم لما عموا عن الآيات لأنهم لم ينظروا فيها ولا انقادوا مع ما دلت عقولهم عليه من أمرها ، بل سدوا باب الفكر فيها ؛ زادهم الله عمى فختم على مداركهم ، فصارت لا ينتفع بها فصاروا لا يعون ، وهذه الآيات أعظم زاجر عن التكبر ، فإنها بينت أنه يوجب الكفر والإصرار عليه والوهن في جميع الأمور ، ولما كان ذلك كله مما يتعجب الموفق من ارتكابه ، أعقبه تعالى مبينا ومصورا ومحققا لوقوعه ومقررا قوله عطفا على (فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ) [الأعراف : ١٣٨] مبينا لإسراعهم في الكفر : (وَاتَّخَذَ) أي بغاية الرغبة (قَوْمُ مُوسى) أي باتخاذ السامري ورضاهم ، ولم يعتبروا شيئا مما أتاهم به من تلك الآيات التي لم ير مثلها (مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد إبطائه عنهم بالعشرة الأيام التي
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
