الملك ملكان : ملك مشوب بأنواع الآلام وملحوق بسرعة الانصرام ، ولكنّه عاجل وهو في الدنيا. وملك مخلّد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ولا يقطعه قاطع ولكنّه آجل ... وقد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة ، فجاء الشيطان وتوسّل إليه بواسطة العجلة ـ الّتي في طبعه ـ فاستغواه بالعاجلة وزيّن له الحاضرة ، وتوسّل إليه بواسطة الحمق فوعده بالغرور في الآخرة ومنّاه مع ملك الدنيا ملك الآخرة.
[٢ / ٣٨٨٦] كما قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «والأحمق من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني» (١) فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عزّ الدنيا وملكها على قدر إمكانه. ولم يتدلّ الموفّق بحبل غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة ، فعبر عن المخذولين بقوله تعالى : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ)(٢) وقال تعالى : (إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً)(٣) وقال تعالى : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا. ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)(٤).
ولمّا استطار مكر الشيطان في كافّة الخلق أرسل الله الملائكة إلى الرسل وأوحوا إليهم ما تمّ على الخلق من إهلاك العدوّ وإغوائه ، فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازي الّذي لا أصل له أصلا فنادوا فيهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)(٥).
فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف موسى وإبراهيم وكلّ كتاب منزل ما أنزل إلّا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد ، والمراد منهم أن يكونا ملوكا في الدنيا ، ملوكا في الآخرة. أمّا ملك الدنيا : فالزهد فيها والقناعة باليسير منها. وأمّا ملك الآخرة : فبالقرب من الله تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه وعزّا لا ذلّ فيه وقرّة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس.
والشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا ، لعلمه بأنّ ملك الآخرة يفوت به ، إذ الدنيا والآخرة ضرّتان ، ولعلمه بأنّ الدنيا لا تسلم له أيضا ، ولو كانت تسلم له لكان يحسده أيضا ، ولكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات ، وكذا سائر أسباب الجاه. ثمّ مهما تسلّم
__________________
(١) فيض القدير ٢ : ٤٤٥ / ٢٠٢٥.
(٢) القيامة ٧٥ : ٢٠ ـ ٢١.
(٣) الإنسان ٧٦ : ٢٧.
(٤) النجم ٥٣ : ٢٩ ـ ٣٠.
(٥) التوبة ٩ : ٣٨.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
