بحكم تقدير الله تعالى لاستدرار رحمته حتّى تستدرّ بها الأمطار في أوقات الاستسقاء ، وهي لاستدرار أمطار المكاشفات ولطائف المعارف من خزائن الملكوت أشدّ مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء واستجرار الغيوم من أقطار الجبال والبحار ، بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك ، وإنّما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك فصار ذلك حجابا بينك وبينها ، فلا تحتاج إلّا إلى أن تنكسر الشهوة ويرفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب. وإظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل وأقرب من استرسال الماء إليها من مكان بعيد منخفض عنها. ولكونه حاضرا في القلب ومنسيّا بالشغل عنه سمّى الله تعالى جميع معارف الإيمان تذكّرا ، فقال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)(١) وقال تعالى : (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)(٢) وقال تعالى : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)(٣) فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل وهو آخر درجات الصبر ، وإنّما الصبر عن العلائق كلّها مقدّم على الصبر عن الخواطر.
قال الجنيد رحمهالله : السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن ، وهجران الخلق في حبّ الحقّ شديد ، والسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد ، والصبر مع الله أشدّ. فذكر شدّة الصبر عن شواغل القلب ثمّ شدّة هجران الخلق.
وأشدّ العلائق على النفس علاقة الخلق وحبّ الجاه. فإنّ لذّة الرياسة والغلبة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللّذّات في الدنيا على نفوس العقلاء ، وكيف لا تكون أغلب اللّذّات ومطلوبها صفة من صفات الله تعالى وهي الربوبيّة؟ والربوبيّة محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب ، لما فيه من المناسبة لأمور الربوبيّة ، وعنه العبارة بقوله تعالى : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)(٤) وليس القلب مذموما على حبّه ذلك وإنّما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان المبعد عن عالم الأمر ، إذ حسده ، على كونه من عالم الأمر. فأضلّه وأغواه ، وكيف يكون مذموما عليه وهو يطلب سعادة الآخرة؟ فليس يطلب إلّا بقاء لا فناء فيه. وعزّا لا ذلّ فيه ، وأمنا لا خوف فيه ، وغنى لا فقر فيه ، وكمالا لا نقصان فيه! وهذه كلّها من أوصاف الربوبيّة. وليس مذموما على طلب ذلك ، بل حقّ كلّ عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له. وطالب الملك طالب للعلوّ والعزّ والكمال لا محالة. ولكن
__________________
(١) الحجر ١٥ : ٩.
(٢) سورة ص ٣٨ : ٢٩.
(٣) القمر ٥٤ : ١٧.
(٤) الإسراء ١٧ : ٨٥.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
