وتتمّ الأسباب ينقضي العمر : (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)(١) فضرب الله تعالى لها مثلا فقال تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ)(٢) والزهد في الدنيا لمّا أن كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصدّه عنه.
ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان لباعث الدين وإشارة الإيمان ، وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرّا. وباستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لفرجه وبطنه وسائر أغراضه ، فيكون مسخّرا مثل البهيمة مملوكا يستجرّه زمام الشهوة آخذا بمختنقه إلى حيث يريد ويهوى. فما أعظم اغترار الإنسان إذ ظنّ أنّه ينال الملك بأنّه يصير مملوكا! وينال الربوبيّة بأن يصير عبدا! ومثل هذا هل يكون إلّا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة؟
ولهذا قال بعض الملوك لبعض الزهّاد : هل من حاجة؟ قال : كيف أطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك؟ فقال : كيف؟ قال : من أنت عبده فهو عبد لي! فقال : كيف ذلك؟ قال : أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك ، وقد ملكت هؤلاء كلّهم فهم عبيد لي.
فهذا إذن هو الملك في الدنيا وهو الّذي يسوق إلى الملك في الآخرة. فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا والآخرة جميعا ، والّذين وفّقوا للاشتداد على الصراط المستقيم فازوا بالدنيا والآخرة جميعا.
فإذا عرفت الآن معنى الملك والربوبيّة ، ومعنى التسخير والعبوديّة ، ومدخل الغلط في ذلك وكيفيّة تعمية الشيطان وتلبيسه ، يسهل عليك النزوع عن الملك والجاه ، والإعراض عنه والصبر عند فواته ؛ إذ تصير بتركه ملكا في الحال وترجو به ملكا في الآخرة.
ومن كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه وأنس به ورسخت فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرّد العلم والكشف ؛ بل لا بدّ أن يضيف إليه العمل ، وعمله في ثلاثة أمور :
أحدها : أن يهرب عن موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب ، كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور المحرّكة ، ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة الله في سعة
__________________
(١) يونس ١٠ : ٢٤.
(٢) الكهف ١٨ : ٤٥.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
