وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(١) فإنّ الكفّار لم يغلطوا فيما غلطوا فيه إلّا بمثل هذه الانعكاسات ، نسأل الله حسن التوفيق بكرمه ولطفه.
مراتب الصبر
اعلم أنّ باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال :
أحدها : أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوّة المنازعة ويتوصّل إليه بدوام الصبر ، وعند هذا يقال من صبر ظفر. والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلّون ، فلا جرم هم الصدّيقون المقرّبون :
(الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا)(٢). فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم واستووا على الصراط القويم واطمأنّت نفوسهم على مقتضى باعث الدين. وإيّاهم ينادي المنادي : (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً)(٣).
الحالة الثانية : أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلّيّة منازعة باعث الدين فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ولا يجاهد ، لبأسه من المجاهدة ، وهؤلاء هم الغافلون وهم الأكثرون ، وهم الّذين استرقّتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم فحكّموا أعداء الله في قلوبهم الّتي هي سرّ من أسرار الله تعالى وأمر من أمور الله. وإليهم الإشارة بقوله تعالى : (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(٤). وهؤلاء هم الّذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فخسرت صفقتهم ، وقيل لمن قصد إرشادهم : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا. ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ)(٥).
وهذه الحالة علامتها اليأس والقنوط والغرور بالأماني ، وهو غاية الحمق كما :
[٢ / ٣٨٥٥] قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من اتّبع نفسه هواها
__________________
(١) الملك ٦٧ : ٢٢.
(٢) فصّلت ٤١ : ٣٠.
(٣) الفجر ٨٩ : ٢٧ ـ ٢٨.
(٤) السجدة ٣٢ : ١٣.
(٥) النجم ٥٣ : ٢٩ ـ ٣٠.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
