فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)(١).
ولنرجع إلى الغرض فإنّ هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة. فنقول : ظهر أنّ الصبر عبارة عن «ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى» وهذه المقاومة من خاصّة الآدميين ، لما وكّل بهم من الكرام الكاتبين ، ولا يكتبان شيئا عن الصبيان والمجانين ، إذ قد ذكرنا أنّ الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما ، والسيّئة في الإعراض عنهما ، وما للصبيان والمجانين سبيل إلى الاستفادة ، فلا يتصوّر منهما إقبال وإعراض ، وهما لا يكتبان إلّا الإقبال والإعراض من القادرين على الإقبال والإعراض. ولعمري إنّه قد تظهر مبادئ إشراق نور الهداية عند سنّ التمييز وتنمو على التدريج إلى سنّ البلوغ ، كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس ، ولكنّها هداية قاصرة لا ترشد إلى مضارّ الآخرة ، بل إلى مضارّ الدنيا ، فلذلك يضرب على ترك الصلوات ناجزا ، ولا يعاقب على تركها في الآخرة ، ولا يكتب عليه من الصحائف ما ينشره في الآخرة ، بل على القيّم العدل والوليّ البرّ الشفيق ـ إن كان من الأبرار وكان على سمت الكرام الكاتبين البررة الأخيار ـ أن يكتب على الصبيّ سيّئته وحسنته على صحيفة قلبه ، فيكتبه عليه بالحفظ ، ثمّ ينشره عليه بالتعريف ، ثمّ يعذّبه عليه بالضرب. فكلّ وليّ هذا سمته في حقّ الصبيّ فقد ورث أخلاق الملائكة واستعملها في حقّ الصبيّ. فينال بها درجة القرب من ربّ العالمين ، كما نالته الملائكة ، فيكون مع النبيّين والمقرّبين والصدّيقين. وإليه الإشارة بقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة» (٢) وأشار بأصبعيه الكريمتين يعني السبّابة والوسطى.
الصبر نصف الإيمان
اعلم أنّ الإيمان تارة يختصّ في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين ، وتارة يختصّ بالأعمال الصالحة الصادرة منها ، وتارة يطلق عليهما جميعا. وللمعارف أبواب ، وللأعمال أبواب. ولاشتمال لفظ الإيمان على جميعها كان الإيمان نيفا وسبعين بابا. (٣) أمّا كون الصبر نصف الإيمان فباعتبارين
__________________
(١) يس ٣٦ : ٩ ـ ١٠.
(٢) الترمذي ٣ : ٢١٥ / ١٩٨٣ ؛ البيهقي ٦ : ٢٨٣.
(٣) روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستّون شعبة» ؛ (مسلم ١ : ٤٦).
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
