أي إذا غبت عنّي فإنّي لا أكلّم عشيرتي ولا آنس بهم ، حتّى كانّي غريب في الديار!
وقوله تعالى : (يَوْمٌ مَشْهُودٌ)(١) أي محضور يحضره أهل السماء والأرض. ومثله : (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً)(٢) يعني صلاة الفجر يحضرها ملائكة اللّيل وملائكة النّهار.
وقوله تعالى : (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)(٣) أي أحضر سمعه وقلبه شاهد لذلك غير غائب عنه.
وقوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ؛) معناه : من شهد منكم المصر في الشهر ، لا يكون إلّا ذلك ، لأنّ الشهر يشهده كلّ حيّ فيه. قال الفرّاء : نصب الشهر بنزع الصفة ولم ينصبه بوقوع الفعل عليه ؛ المعنى : فمن شهد منكم في الشهر أي كان حاضرا غير غائب في سفره. وشاهد الأمر والمصر كشهده (٤).
* * *
إذن فمعنى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ :) من حضر أي كان حاضرا غير مسافر في هذا الشهر.
يقال : فلان شهد بدرا وشهد أحدا أو شهد المشاهد كلّها مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أي حضرها.
والشهر على هذا ظرف (مفعول فيه) لفعل شهد أي حضر في الشهر ولم يكن مسافرا.
وهذا أنسب لقوله تعالى بعد : (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ) أي على متن سفر.
ومن ذلك يفهم : أنّ من حضر بعضه يصوم أيّام حضوره. كما فهمه ابن جرير الطبري (٥).
أمّا إذا أخذنا شهد بمعنى علم ـ شهودا بالبصيرة واليقين ، لا بالبصر والعيان صرفا ـ فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف أي علم بحلول الشهر ، سواء كان برؤية الهلال ، فيكون الشهود بالإبصار سببا للشهود بالعلم واليقين أم كان بما أوتي من علم الحساب على ما يراه المنجّمون (٦).
__________________
(١) هود ١١ : ١٠٣. تمام الآية : (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ).
(٢) الإسراء ١٧ : ٧٨.
(٣) سورة ق ٥٠ : ٢١.
(٤) لسان العرب ٣ : ٢٣٩ ـ ٢٤١.
(٥) راجع آخر ما نقلنا من كلامه.
(٦) وقد سبق عن بعض السلف.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
