بها ، فيستجرئ عليها وتقوى منّته (١) في مصارعتها ، فإنّ الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقّة تؤكّد القوى الّتي تصدر منها تلك الأعمال ، ولذلك تزيد قوّة الحمّالين والفلّاحين والمقاتلين. وبالجملة فقوّة الممارسين للأعمال الشاقّة تزيد على قوّة الخيّاطين والعطّارين والفقهاء والصالحين ، وذلك لأنّ قواهم لم تتأكّد بالممارسة.
فالعلاج الأوّل : يضاهي إطماع المصارع بالخلعة عند الغلبة ووعده بأنواع الكرامة ، كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إيّاهم بموسى حيث قال : (وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)(٢).
والثاني : يضاهي تعويد الصبيّ الّذي يراد منه المصارعة والمقاتلة بمباشرة أسباب ذلك منذ الصبا ، حتّى يأنس به ويستجرئ عليه وتقوى فيه منّته. فمن ترك بالكلّيّة المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدين ولا يقوى على الشهوة وإن ضعفت ، ومن عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد.
فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر ولا يمكن استيفاؤه ، وإنّما أشدّها كفّ الباطن عن حديث النفس ، وإنّما يشتدّ ذلك على من تفرّغ له ، بأن قمع الشهوات الظاهرة وآثر العزلة وجلس للمراقبة والذكر والفكر ، فإنّ الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب. وهذا لا علاج له البتّة إلّا قطع العلائق كلّها ظاهرا وباطنا بالفرار عن الأهل والولد والمال والجاه والرفقاء والأصدقاء ، ثمّ الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قدر يسير من القوت وبعد القناعة به. ثمّ كلّ ذلك لا يكفي ما لم تصر الهموم همّا واحدا وهو الله تعالى. ثمّ ، إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ذلك ما لم يكن له مجال في الفكر وسير بالباطن في ملكوت السماوات والأرض وعجائب صنع الله تعالى وسائر أبواب معرفة الله تعالى ، حتّى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان ووسواسه ، وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلّا الأوراد المتواصلة المترتّبة في كلّ لحظة ، من القراءة والأذكار والصلوات ، ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور ، فإنّ الفكر بالباطن هو الّذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة. ثمّ إذا فعل ذلك كلّه لم يسلم له من الأوقات إلّا بعضها ؛ إذ لا يخلو في جميع أوقاته عن حوادث تتجدّد فتشغله عن الفكر والذكر من مرض وخوف وإيذاء من إنسان وطغيان من مخالط ، إذ لا يستغني عن مخالطة من يعينه في بعض أسباب المعيشة. فهذا أحد الأنواع الشاغلة.
__________________
(١) المنّة : القوّة.
(٢) الشعراء ٢٦ : ٤٢.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
