وتمنّى على الله» (١).
وصاحب هذه الحالة إذا وعظ قال : أنا مشتاق إلى التوبة ولكنّها قد تعذّرت عليّ ، فلست أطمع فيها ، أو لم يكن مشتاقا إلى التوبة ولكن قال : إنّ الله غفور رحيم كريم ، فلا حاجة به إلى توبتي. وهذا المسكين قد صار عقله رقيقا (٢) لشهوته ، فلا يستعمل عقله إلّا في استنباط دقائق الحيل الّتي بها يتوصّل إلى قضاء شهوته ، فقد صار عقله في يد شهواته كمسلم أسير في أيدي الكفّار ، فهم يستسخرونه في رعاية الخنازير وحفظ الخمور وحملها ، ومحلّه عند الله تعالى محلّ من يقهر مسلما ويسلّمه إلى الكفّار ويجعله أسيرا عندهم ؛ لأنّه بفاحش جنايته يشبه أنّه سخر ما كان حقّه أن لا يستسخر ، وسلّط ما حقّه أن لا يتسلّط عليه ، وإنّما استحقّ المسلم أن يكون متسلّطا لما فيه من معرفة الله وباعث الدين ، وإنّما استحقّ الكافر أن يكون مسلّطا عليه لما فيه من الجهل بالدين وباعث الشياطين ، وحقّ المسلم على نفسه أوجب من حقّ غيره عليه. فمهما سخّر المعنى الشريف الّذي هو من حزب الله وجند الملائكة للمعنى الخسيس الّذي هو من حزب الشياطين المبعدين عن الله تعالى ، كان كمن أرقّ مسلما لكافر ، بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه فأخذ أعزّ أولاده وسلّمه إلى أبغض أعدائه ، فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته واستيجابه (٣) لنقمته ؛ لأنّ الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى ، والعقل أعزّ موجود خلق على وجه الأرض!
الحالة الثالثة : أن يكون الحرب سجالا بين الجندين فتارة له اليد عليها. وتارة لها عليه ، وهذا من المجاهدين ، يعدّ مثله لا من الظافرين ، وأهل هذه الحالة هم الّذين : (خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)(٤).
هذا باعتبار القوّة والضعف. ويتطرّق إليه أيضا ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه ؛ فإنّه إمّا أن يغلب جميع الشهوات أو لا يغلب شيئا منها ، أو يغلب بعضها دون بعض. وتنزيل قوله تعالى : (خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً) على من عجز عن بعض الشهوات دون بعض أولى. والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضلّ سبيلا ، إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة
__________________
(١) الترمذي ٤ : ٥٤ / ٢٥٧٧ ؛ وفيه : «العاجز» بدل «الأحمق».
(٢) رقيقا : عبدا.
(٣) أي استحقاقه للنقمة والسخط.
(٤) التوبة ٩ : ١٠٢.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
