وله في سلوكه إلى الكمال منازل وأطوار من نطفة وعلقة ومضغة وغيرها إلى أن يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم. فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة سعة فضاء العالم إلى سعة فضاء الرحم ، ونسبة سعة العالم الّذي يقدم عليه العبد بالموت إلى سعة فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا أيضا إلى الرحم ، بل أوسع وأعظم. فقس الآخرة بالأولى فما خلقكم ولا بعثكم إلّا كنفس واحدة. وما النشأة الثانية إلّا على قياس النشأة الأولى بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين. وإليه الإشارة بقوله تعالى : (وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ)(١) فالمقرّ بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشهادة ، وموقن بالملك والملكوت. والمقرّ بالقيامة الصغرى دون الكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين ، وذلك هو الجهل والضلال ، والاقتداء بالأعور الدجّال.
فما أعظم غفلتك يا مسكين ـ وكلّنا ذلك المسكين ـ وبين يديك هذه الأهوال فإن كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل والضلال أفلا تكفيك دلالة القيامة الصغرى؟ أو ما سمعت قول سيّد الأنبياء صلىاللهعليهوآلهوسلم : «كفى بالموت واعظا» (٢) أو ما سمعت بكربه عليهالسلام عند الموت حتّى قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «اللهمّ هوّن على محمّد سكرات الموت» (٣). أو ما تستحي من استبطائك هجوم الموت اقتداء برعاع الغافلين ، الّذين لا ينظرون إلّا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصّمون ، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون؟ فيأتيهم المرض نذيرا من الموت فلا ينزجرون ويأتيهم الشيب رسولا منه فما يعتبرون ، فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلّا كانوا به يستهزئون ، أفيظنّون أنّهم في الدنيا خالدون؟ (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ)(٤) أم يحسبون أنّ الموتى سافروا من عندهم فهم معدومون كلّا : (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)(٥) ولكن : (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ)(٦) وذلك لأنّا : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
__________________
(١) الواقعة ٥٦ : ٦٠.
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب من حديث عائشة والطبراني من حديث عقبة بن عامر من قول الفضيل بن عياض والبيهقي في الزهد الكبير (ص ٢١٦). انظر : مجمع الزوائد ١٠ : ٣٠٨ ؛ وكشف الخفاء ٢ : ١١٢ / ١٩٣٣.
(٣) أخرجه ابن ماجة (١ : ٥١٩ / ١٦٢٣) والنسائي (٤ : ٢٥٩ / ٧١٠١) وأبو يعلى (٨ : ٩ / ٤٥١٠) كلّهم بلفظ : اللهمّ أعنّي على سكرات الموت.
(٤) يس ٣٦ : ٣١.
(٥) يس ٣٦ : ٣٢.
(٦) يس ٣٦ : ٤٦.
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
