تنتظم من ثلاثة أمور : معارف ، وأحوال ، وأعمال. فالمعارف هي الأصول ، وهي تورث الأحوال ، والأحوال تثمر الأعمال! فالمعارف كالأشجار ، والأحوال كالأغصان ، والأعمال كالثمار. وهذا مطّرد في جميع منازل السالكين إلى الله تعالى. واسم الإيمان تارة يختصّ بالمعارف ، وتارة يطلق على الكلّ. وكذلك الصبر لا يتمّ بمعرفة سابقة وبحالة قائمة. فالصبر على التحقيق عبارة عنها ، والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ، ولا يعرف هذا إلّا بمعرفة كيفيّة الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم. فإنّ الصبر خاصّيّة الإنس ، ولا يتصوّر ذلك في البهائم والملائكة ، أمّا في البهائم فلنقصانها ، وأمّا في الملائكة فلكمالها.
وبيانه : أنّ البهائم سلّطت عليها الشهوات وصارت مسخّرة لها فلا باعث لها على الحركة والسكون إلّا الشهوة ، وليس فيها قوّة تصادم الشهوة وتردّها عن مقتضاها حتّى يسمّى ثبات تلك القوّة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا.
وأمّا الملائكة عليهمالسلام فإنّهم جرّدوا للشوق إلى حضرة الربوبيّة والابتهاج بدرجة القرب منها ولم تسلّط عليهم شهوة صارفة صادّة عنها حتّى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف.
وأمّا الإنسان فإنّه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة لم يخلق فيه إلّا شهوة الغذاء الّذي هو محتاج إليه ، ثمّ تظهر فيه شهوة اللعب والزينة ، ثمّ شهوة النكاح ، على الترتيب ، وليس له قوّة الصبر البتّة ؛ إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضادّ مقتضياتهما ومطالبهما ، وليس في الصبّي إلّا جند الهوى كما في البهائم ، ولكنّ الله تعالى بفضله وسعة جوده أكرم بني آدم ورفع درجتهم عن درجة البهائم فوكّل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين ؛ أحدهما يهديه ، والآخر يقويه ، فتميّز بمعونة الملكين عن البهائم. واختصّ بصفتين : إحداهما معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ، ومعرفة المصالح المتعلّقة بالعواقب. وكلّ ذلك حاصل من الملك الّذي إليه الهداية والتعريف. فالبهيمة لا معرفة لها ولا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط ، فلذلك لا تطلب إلّا اللذيذ. وأمّا الدواء النافع مع كونه مضرّا في الحال فلا تطلبه ولا تعرفه ، فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أنّ اتّباع الشهوات له مغبّات مكروهة في العاقبة ، ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضرّ ، فكم من مضرّ
![التفسير الأثري الجامع [ ج ٤ ] التفسير الأثري الجامع](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4123_altafsir-alasari-aljame-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
