هي آيات الله الثلاث التي نصبها حجة على عباده وله الحجة البالغة فاستعظم الناس أمرها ولو أنها صغائر لدلالتها على الإخلال بالمروءة كسرقة لقمة والإقرار على المعصية من شيخ جليل القدر لمن لا يخشاه ولا يرجوه ، وقرأ حمزة والكسائي : كبير ، وهو للجنس ، فهو بمعنى قراءة الجمع أو هي أبلغ لشمولها المفرد. ولما ذكر ما قد تقود إليه المطامع دون حمل الغضب الصارع قال منبها على عظمته معبرا بأداة التحقق دلالة على أنه لا بد منه توطينا للنفس عليه معلقا بفعل الغفر : (وَإِذا) وأكد بقوله : (ما) وقدم الغضب إشارة إلى الاهتمام بإطفاء جمره وتبريد حره فقال : (غَضِبُوا) أي غضبا هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة ، وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال : (هُمْ يَغْفِرُونَ) أي الإحصاء والإخفاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفرا أي محوا للذنب عينا وأثرا مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر ، والكبر لا يصلح لغير الإله وذلك لأنه لا يغيب أحلامهم عند اشتداد الأمر ما يغيب أحلام غيرهم من طيش الجهل وسفاهة الرأي ، فدل ذلك على أن الغفر دون غضب لا يعد بالنسبة إلى الغفر معه ، وفي الصحيح أنه صلىاللهعليهوسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله ، وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال : كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا.
ولما أتم ما منه التحلي ، أتبعه ما به التخلي ، وذكر أوصافا أربعة هي قواعد النصفة ما انبنى عليها قط ربعها إلا كان الفاعلون لها كالجسد الواحد لا تأخذهم نازلة في الدنيا ولا في الآخرة فقال : (وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا) أي أوجدوا الإجابة بمالهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد (لِرَبِّهِمْ) أي الداعي لهم إلى إجابته إحسانه إليهم إيجادا من شدة حمل أنفسهم عليه يطلبونه من أنفسهم طلبا عظيما صادقا لم يبق معه لأحدهم نفس ولا بقية من وهم ولا رسم إلا على موافقة رضاه سبحانه لأنهم يعلمون أنه ما دعاهم إليه وهو مربيهم إلا لصلاحهم وسعدهم وفلاحهم ، لأنه محيط العلم شديد الرحمة لا يتهم بوجه من الوجوه.
ولما كان هذا عاما لكل خير دعا إليه سبحانه ، خص أعظم عبادات البدن ، وزاد في عظمتها بالتعبير بالإقامة فقال : (وَأَقامُوا) أي بما لهم من القوة (الصَّلاةَ) فأفهم ذلك مع اللام أنهم أوجدوا صورتها محمولة بروحها على وجه يقتضي ثبوتها دائما.
ولما كانت الاستجابة توجب للاتحاد القلوب بالإيمان الموجب للاتحاد في الأقوال والأفعال ، والصلاة توجب الاتحاد بالأبدان ، ذكر الاتحاد بالأقوال الناشىء عنه عند أولي
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
