ولما أكد سبحانه وجوب الصدع بكل أمره وإن عظمت مشقته وزادت حرقته من غير ركون إلى مؤالف موافق ، ولا اهتمام بمخالف مشاقق ، اعتمادا على تدبيره ، وعظيم أمره في تقديره ، ذكرهم بدليل شهودي هو أعظم وقائعهم في حروبهم ، وأشد ما دهمتهم من كروبهم ، فقال معلما أن المقصود بالذات بما مضى من الأوامر الأمة ـ وإنما وجه الأمر إلى الإمام ليكون أدعى لهم إلى الامتثال فإن الأمر للنبي صلىاللهعليهوسلم تكويني بمنزلة ما يقول الله تعالى له (كن) فحقيقته الإرادة لا الأمر ، والأمر للذين آمنوا تكليفي. وقد يراد منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد ، وللناس احتجاجي أي تقام به عليهم الحجة ، ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف المأمور به : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان ، عبر به ليعم المنافقين (اذْكُرُوا) ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم فقال : (نِعْمَةَ اللهِ) عبر بها لأنها المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك الأعلى الذي لا كفوء له (عَلَيْكُمْ) أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ملتفتين إلى خلاف أحد كائنا من كان ، فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر لهم وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال : (إِذْ) أي حين (جاءَتْكُمْ) أي في غزوة الخندق حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان النبي صلىاللهعليهوسلم ضربه حين سمع بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على جانبي سلع من شماليه ، وخطه وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعا ، وكانوا ثلاثة آلاف ، فكان الخندق اثني عشر ألف ذراع (جُنُودٌ) وهم الأحزاب من قريش ومن انضم إليه من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان ابن حرب ، ومن انضم من قبائل العرب من بني سليم يقودهم أبو الأعور ، ومن بني عامر يقودهم عامر بن الطفيل ، ومن غطفان يقودهم عيينة بن حصن ، ومن بني أسد يقودهم طليحة بن خويلد ، ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ومن بني النضير ورؤسائهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق ، وهم الذين جمعوا الأحزاب بسبب إجلاء النبي صلىاللهعليهوسلم لبني النضير من المدينة الشريفة ، وأفسدوا أيضا بني قريظة ، وكانوا بالمدينة الشريفة وسيدهم كعب بن أسد ، فكان الجميع اثني عشر ألفا ، وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون وقد بقي للإسلام باقية ، ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية.
ولما كان مجيء الجنود مرهبا ، سبب عنه عوده إلى مظهر العظمة فقال : (فَأَرْسَلْنا) أي تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ليمنعهم من سهولة الوصول إليكم ، ثم لما طال مقامهم أرسلنا بما لنا من العظمة (عَلَيْهِمْ) أي خاصة (رِيحاً) وهي ربح الصبا ، فأطفأت نيرانهم. وأكفأت قدورهم وجفانهم ، وسفت التراب في وجوههم ، ورمتهم بالحجارة وهدت
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
