غيره في الواقع عدم ، لأنه مستفاد من الغير ، وليس له الثبوت من ذاته ، ومنه ما أشركوا به ، ولذلك أفرده بالنص ، فقال صارفا للخطاب الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين وحمزة وحفص عن عاصم إيذانا بالغضب ، وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي (وَأَنَّ ما يَدْعُونَ) أي هؤلاء المختوم على مداركهم ، وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله : (مِنْ دُونِهِ.)
ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه ، كقوله (هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) وأكثر هنا من إظهار الجلالة موضع الإضمار تنبيها على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد بضمير الفصل فقال : (الْباطِلُ) أي العدم حقا ، لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه ، وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات ، فلما وجدت على هذا النظام علم أنه الواحد الذي لا مكافىء له.
ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ويكبرونها بغير حق ، قال : (وَأَنَّ اللهَ) أي الملك الأعظم وحده ، ولما كان النيران مما عبد من دون الله ، وكانا قد جمعا علوا وكبرا ، وكان ليس لهما من ذاتهما إلا العدم فضلا عن السفول والصغر ، ختم بقوله : (هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) أي عن أن يدانيه في عليائه ضد ، أو يباريه في كبريائه ند.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢))
ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء ، أتبعها دليلها ، فقال منبها على أن سيرنا في الفلك مثل سير النجوم في الفلك ، وسير أعمارنا في فلك الأيام حتى يولجنا في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى يولجه في الآخر فيذهب حتى كأنه ما كان ، ولو لا تفرده بالحقية والعلو والكبر ما استقام ذلك ، خاصا بالخطاب أعلى الناس ، تنبيها على أن هذه الآية لكثرة الألف لها أعرض عن تأملها ، فهو في الحقيقة حث على تدبرها ، ويؤيده الإقبال على الكل عند تعليلها : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ) أي السفن كبارا وصغارا (تَجْرِي) أي بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البر ، وعبر بالظرفية إشارة إلى أنه ليس لها من ذاتها إلا الرسوب في الماء لكثافتها ولطافته فقال : (فِي الْبَحْرِ) أي على وجه الماء ، وعبر عن الفعل بأثره لأنه أحب فقال : (بِنِعْمَتِ اللهِ)
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
