كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣))
ولما كان القرب والإحاطة لله ، كان بالحقيقة لا رقيب إلا هو ، والآية على كل حال منسوخة إن قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني ، فقد روى الترمذي في التفسير عن عائشة رضي الله عنها وناهيك بها ولا سيما في هذا الباب أنها قالت : ما مات رسول الله صلىاللهعليهوسلم حتى أحل له النساء ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ـ انتهى. ونقل ابن الجوزي عنها رضي الله عنها أن الناسخ آية (إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ) وكذا عن جماعة منهم علي وابن عباس وأم سلمة رضي الله عنهم ، ولكنه صلىاللهعليهوسلم ترك ذلك أدبا مع الله تعالى حيث عبر في المنع بصيغة الخبر والفعل المضارع ، ورعاية لما أشار الله إليه من رعاية حقهن في اختيارهن من الدار الآخرة.
ولما قصره صلىاللهعليهوسلم عليهن ، وكان قد تقدم إليهن بلزوم البيوت وترك ما كان عليه الجاهلية من التبرج ، أرخى عليهن الحجاب في البيوت ومنع غيره صلىاللهعليهوسلم مما كانت العرب عليه من الدخول على النساء لما عندهم من الأمانة في ذلك ، فقال مخاطبا لأدنى أسنان أهل هذا الدين لما ذكر في سبب نزولها ، ولأن المؤمنين كانوا منتهين عن ذلك بغير ناه كما يدل عليه ما يأتي من قول عمر رضي الله عنه في الحجاب : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن (لا تَدْخُلُوا) مع الاجتماع ، فالواحد من باب الأولى.
ولما كان تشويش الفكر ربما كان شاغلا عن شيء مما ينبىء الله به كما أشار إليه قوله صلىاللهعليهوسلم «بينت لي ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها» ـ أو كما قال صلىاللهعليهوسلم ، عبر بصفة النبوة في قوله : (بُيُوتَ النَّبِيِ) أي الذي يأتيه الإنباء من علام الغيوب بما فيه غاية رفعته ، في حال من الأحوال أصلا (إِلَّا) في حال (أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) أي ممن له الإذن في بيوته صلىاللهعليهوسلم منه أو ممن يأذن له في ذلك ، منتهين (إِلى طَعامٍ) أي أكله ، حال كونكم (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) أي وقت ذلك الطعام وبلوغه واستواءه للأكل ، فمنع بهذا من كان يتحين طعام النبي صلىاللهعليهوسلم ، لأن في ذلك تكليفا له صلىاللهعليهوسلم بما يشق عليه جدا ، فإنه ربما كان ثم من هو أحوج إلى ذلك الطعام من المتحين أو غير ذلك من الأعذار ، فلا يتوجه الخطاب إلى غير أهل هذا السن السافل ، ومن وقعت له فلتة ممن فوق رتبتهم دخل في خطابهم بما أنزل من رتبته ، والتعبير باسم الفاعل المجرد في «نظرين» أبلغ في النهي.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
