والطبراني في معجمه الأوسط عن أبي أمامة الباهلي وأبي ذر رضي الله عنهما وفي بعض طرق أبي ذر التصريح بالإرسال ولا يشك أحد أنه كان رسولا إلى جميع من أدركه من أولاده ، وهم جميع أهل الأرض ، وكذلك نوح عليهالسلام لا يشك أحد أنه كان بعد الغرق رسولا إلى جميع أهل السفينة كما كان قبل ذلك ، وهم جميع أهل الأرض ، فما قدمت من أن الخصوصية بالإرسال إلى ذوي الألسن المختلفة من جميع بني آدم ، وإلى المخالف في الجنس من كل من ينوس هو المزيل للإشكال ـ والله الموفق.
(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧))
ولما كان لإبراهيم عليهالسلام من التجرد عن النعوت البشرية والعلائق النفسانية إلى الأحوال الملكية ما لم يكن لمن بينهما من النبيين من المصارحة بالمعارضة لقومه ، والإبلاغ فيها بكسر الأوثان ، وتوهية مذهب الكفران ، والانفراد عما سوى الله في غمرات النيران ، حتى عن الدعاء بقلب أو لسان فناء عن جميع الأكوان ، ثم بالهجرة عن الأوطان ، ثم بالخروج عن الأحباب والأخوان ، بوضع ابنه بكره وسريته في ذلك المكان ، الذي ليس به إنس ولا جان ، ثم بمعالجة ذبحه بأتم قوة وأقوى جنان ، ثم ببناء البيت ذوي الأركان ، قبلة للمتجردين من أهل الإيمان في كل أوان ، عما سوى الملك الديان ، يصفون عند كل صلاة مثل صفوف الملائكة الكرام ، وكان موافقا لنوح عليهالسلام مع ما تقدم في البركة في نسله بحيث إنهم قريب نصف أهل الأرض الآن ، وكان أشهر أمره في النار التي هي ضد أشهر أمر نوح عليهالسلام في الماء ، تلاه به فقال مؤكدا إظهارا أيضا لما له من الكرامة والمنزلة العالية في الإمامة ، المقتضية للنشاط في الثناء عليه ، المنبهة على ما ينبغي من إتمام العزم في متابعته ، وتكذيبا لمن ادعى أنه ابتدع وخالف من كان قبله : (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ) أي الذين خالط سره سرهم ووافق أمره أمرهم ، في التصلب في الدين والمصابرة للمفسدين (لَإِبْراهِيمَ) ثم علق بمعنى المشايعة بيانا لما كانت به المتابعة قوله على تقدير سؤال من قال : متى شايعه؟ (إِذْ) أي حين (جاءَ رَبَّهُ) أي المحسن في تربيته (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي بالغ السلامة عن حب غيره ، والمجيء مجاز عن الإخلاص الذي لا شائبة فيه كما أن الآتي إليك لا يكون شيء من بدنه عند غيرك ، ثم أبدل من ذلك ما هو دليل عليه فقال : (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ) أي الذي هو أعظم الناس عنده وأجلهم في عينه وأعزهم لديه (وَقَوْمِهِ) أي الذين لهم من القوة والجدود ما تهابهم به الأسود : (ما ذا) أي ما الذي (تَعْبُدُونَ) تحقيرا لأمرهم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
