ولما كانت هذه حالة عرضت ، ثم كان من أمرها أنها إما زالت وثبتت إلى انقضاء الأمر ، عبر عنها بالماضي لذلك وتحقيقا لها ولما نشأ عنها تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب ، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد فقال : (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ) الذي له صفات الكمال فلا يلم نقص ما بساحة عظمته ، ولا يدنو شيء من شين إلى جناب عزته (الظُّنُونَا) أي أنواع الظن إما بالنسبة إلى الأشخاص فواضح ، وذلك بحسب قوة الإيمان وضعفه ، وأما بالنسبة إلى الشخص الواحد فحسب تغير الأحوال ، فتارة يظن الهلاك للضعف ، وتارة النجاة لأن الله قادر على ذلك ، ويظن المنافقون ومن قاربهم من ضعفاء القلوب ما حكى الله عنهم ؛ قال الرازي في اللوامع : ويروى أن المسلمين قالوا : بلغت القلوب الحناجر ، فهل من شيء نقول؟ فقال عليه الصلاة والسّلام : «اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا» (١) وزيادة الألف في قراءة من أثبتها في الحالين وهم المدنيان وابن عامر وشعبة إشارة إلى اتساع هذه الأفكار ، وتشعب تلك الخواطر ، وعند من أثبتها في الوقف دون الوصل وهم ابن كثير والكسائي وحفص إشارة إلى اختلاف الحال تارة بالقوة وتارة بالضعف.
(هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً (١٥))
ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو النصرة ، وأما المنافق فيلقي السلم ويدخل داره الذل بالموافقة على جميع ما يراد منه ، ترجم حال المؤمنين قاصرا الخطاب على الرأس لئلا يدخل في مضمون الخبر إعلاما بأن منصبه الشريف أجلّ من أن يبتلى فقال تعالى : (هُنالِكَ) أي في ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة (ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) أي خولط الراسخون في الإيمان بما شأنه أن يحيل ما خالطه ويميله ، وبناه للمجهول لما كان المقصود إنما هو معرفة المخلص من غيره ، مع لعلم بأن فاعل ذلك هو الذي له الأمر كله ، ولم يؤكد الابتلاء بالشدة لدلالة الافتعال عليها ، وصرف الكلام عن الخطاب مع ما تقدم من فوائده ، وعبر بالوصف ليخص الراسخين فقال : (وَزُلْزِلُوا) أي حركوا ودفعوا وأقلقوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر
__________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٨٣٦٠ من حديث أبي سعيد الخدري.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
