أخفافها ، من الرمض ـ بالتحريك ، وهو شدة الشمس على الرمل وغيره ، والرمضاء : الشديدة الحر.
(وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢))
ولما أخبر سبحانه عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها له ، أتبعها أخفها وأكثرها انتقالا ، وعبر فيها بالاسم الدال على الاجتماع جملة والثبات لأنه أدل على القدرة فقال معبرا باسم الجمع دون الجمع إشارة إلى أنها في شدة الاجتماع كأنها شيء واحد ، ذكر حالها في وصف صالح للواحد ، وجعله مؤنثا إشارة إلى ما تقدم من الرخاوة اللازمة للإناث المقتضية لغاية الطواعية والقبول لتصرف الأحكام : (وَالطَّيْرَ) أي سخرناها له حال كونها (مَحْشُورَةً) أي مجموعة إليه كرها من كل جانب دفعة واحدة ـ بما دل التعبير بالاسم دون الفعل وهو أدل على القدرة وهي أشد نفرة من قومك وأعسر ضبطا وهذا كما كان الحصى يسبح في يد رسول الله صلىاللهعليهوسلم (١) ، وفي يد بعض أصحابه ، وكما تحرك الجبل فضربه برجله وقال : «اسكن أحد» (٢) فسكن ، وكما حشر الدبر على رأس عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح رضي الله عنه فمنع من أخذه ليتلعب به ، فلما جاء الليل أرسل الله سيلا فاحتمله إلى حيث لم يعرف له خبر ولا وقف له على أثر (كُلٌ) أي كل واحد من الجبال والطير (لَهُ أَوَّابٌ) أي رجاع لأجل داود عليهالسلام خاصة عن مألوفه لا بمعنى آخر مما ألفته ، فكلما رجع هو عن حكمه وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق رجعت معه بذلك الجبال والطير ، وجعل الخبر مفردا إشارة إلى أنها في الطواعية في التأديب قد بلغت الغاية حتى كأنها الشيء الواحد ، ولم يجعل مؤنثا إشارة إلى شدة زجلها بالتأديب وعظمته ، والإفراد أيضا يفيد الحكم على كل فرد ، ولو جمع لطرقه احتمال أن الحكم على المجموع بقيد الجمع ، فكأن داود عليهالسلام يفهم تسبيح الجبال والطير ، وينقاد له كل منهما إذا أمره بالتسبيح ، وكل من تحقق بحاله ساعده كل
__________________
(١) تقدم غير مرة.
(٢) أخرجه البخاري ٣٦٨٦ وأبو داود ٤٦٥١ والنسائي في الفضائل ٣٢ وابن حبان ٦٨٦٥ وأبو يعلى ٣١٩٦ عن أنس رضي الله تعالى عنه وفي الباب عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
وقد روى أحمد ١ / ٥٩ والترمذي ٣٦٩٩ والنسائي ٦ / ٢٣٦ ـ ٢٣٧ وابن حبان ٦٩١٦ والبيهقي ٦ / ١٦٧ والدار قطني ٤ / ١٩٩ ـ ٢٠٠ عن عثمان رضي الله تعالى عنه في قصة ارتجاج حراء تحت النبي صلىاللهعليهوسلم وقال نفس الكلام.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
