ووهبناك لسان صدق في الآخرين ، وجعلنا آلك هم المصطفين ، وملأنا منهم الخافقين ، علله بأن ذلك سنته دائما قديما وحديثا فقال ما يأتي.
ولما كان صلىاللهعليهوسلم في همة الذبح وعزمه ، فكانت تلك الهمة التي تقصر عنها رتبة السها والسماك ، والعزمة التي تتضاءل دون عليّ مكانتها وسني عظمتها عوالي الأفلاك ، لا تسكن عن ثورانها ، ولا تبرد من غليانها وفورانها ، إلا بأمر شديد ، وقول جازم أكيد ، قال مؤكدا تنبيها على أن همته قد وصلت إلى ما هذا حده ، وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة بالنهي : (إِنَّا كَذلِكَ) أي مثل هذا الجزاء العظيم (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
ولما كان جزاءه عظيما جدا ، دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله معجبا ومعظما مؤكدا تنبيها على أنه خارق للعادة : (إِنَّ هذا) أي الأمر والطاعة فيه (لَهُوَ الْبَلاءُ) أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائنا ما كان (الْمُبِينُ) أي الظاهر في بابه جدّا المظهر لرائيه أنه بلاء.
ولما قدم ما هو الأهم من نهيه عن علاجه ، ومن البشارة بالجزاء ، ذكر فداءه بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر الأيام وتعاقب السنين ، ولما كان المفتدى منه من كان الأسير في يده ، وكان إسماعيل في يد إبراهيم عليهماالسلام ، وهو يعالج إتلافه ، جعل تعالى نفسه المقدس فاديا لأن الفادي من أعطى الفداء ، وهو ما يدفع لفكاك الأسير ، وجعل إبراهيم عليهالسلام مفتدى منه تشريفا له وإن كان في الحقيقة كالآلة التي لا فعل لها ، والله تعالى هو المفتدى منه حقيقة فقال : (وَفَدَيْناهُ) أي الذبيح عن إنفاذ ذبحه وإتمامه تشريفا له (بِذِبْحٍ) أي بما ينبغي أن يذبح ويكون موضعا للذبح ، وهو كبش من الجنة ، قيل : إنه الذي قربه هابيل فتقبله الله منه (عَظِيمٍ) أي في الجثة والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ومجعول دينا إلى آخر الدهر.
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣))
ولما كان سبحانه إذا منّ بشيء علم أنه عظيم ، فإذا ذكر الفعل وترك المفعول أراد فخامته وعظمته ، قال : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ) أي على الذبيح شيئا هو في الحسن بحيث يطول وصفه. ولما كان بحيث لا ينسى قال : (فِي الْآخِرِينَ) ومن هذا الترك ما تقدم من وصفه بصدق الوعد ، لأنه وعد بالصبر على الذبح فصدق.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
