الآفاق العلوية ما يرد الموفق عن غيه : (هُوَ) أي وحده (الَّذِي يُرِيكُمْ) أي بالبصر والبصيرة (آياتِهِ) أي علاماته الدالة على تفرده بصفات الكمال تكميلا لنفوسكم ، فينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بإعادة ما تحطم فيها من الحبوب فتفتتت بعد موتها بصيرورة ذلك الحب ترابا لا تميز له عن ترابها ، فيتذكر به البعث لمن انمحق فصار ترابا وضل في تراب الأرض حتى لا تميز له عنه من طبعه الإنابة ، وهو الرجوع عما هو عليه من الجهل إلى الدليل بما ركز في فطرته من العلم ، وذلك هو معنى قوله : (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ) أي خاصا بنفعكم أو ضركم (مِنَ السَّماءِ) أي جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله (رِزْقاً) لإقامة أبدانكم من الثمار والأقوات بانزال الماء فهو سبحانه يدلكم عليه ويتحبب إليكم لتنفعوا أنفسكم وأنتم تتبغضون إليه وتتعامون عنه لتضروها (وَما يَتَذَكَّرُ) ذلك تذكرا تاما ـ بما أشار إليه الإظهار ـ فيقيس عليه بعث من أكلته الهوام ، وانمحق باقيه في الأرض (إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) أي له أهلية التجديد في كل وقت للرجوع إلى الدليل بأن يكون حنيفا ميالا للطافته مع الدليل حيثما مال. ما هو بحلف جامد على ما الفه ، لا يحول عنه أصلا ، لا يصغي إلى قال ولا قيل ، ولو قام على خطابه كل دليل.
(فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧))
ولما كان كل من الناس يدعي أنه لا يعدل عن الدليل ، وكان كل أحد مأمورا بالنظر في الدليل مأمورا بالإنابة لما دل عليه من التوجه إلى الله وحده ، كان ذلك سببا في معرفة الكل التوحيد الموجب لاعتقاد القدرة التامة الموجب لاعتقاد البعث ، فكان سببا لإخلاصهم ، فقال تعالى مسببا عنه : (فَادْعُوا) وصرح بالاسم الأعظم تدريبا للمخلصين على كيفية الإخلاص فقال : (اللهَ) أي المتوحد بصفات الكمال دعاء خضوع وتعبد بعد الإنابة بعد النظر في الدليل (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي الأفعال التي يقع الجزاء عليها ، فمن كان يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصا اجتهد في تصفية أعماله ، فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص.
ولما كانت مخالفة الجنس شديدة لما تدعو إليه من المخاصمة الموجبة للمشاققة
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
