تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨))
ولما ذكر سبحانه ما في الزروع وما لا ساق له من النعمة والقدرة ، ودل السياق فيه على الحصر ، أتبعه ما بين أن المراد التعظيم لا الحصر الحقيقي بإظهار المنة في غيره من الأشجار الكبار والصغار ذات الأقوات والفواكه ، فقال دالّا على عظمه بمظهر العظمة : (وَجَعَلْنا) أي بما لنا من العظمة (فِيها) أي الأرض (جَنَّاتٍ) أي بساتين تستر داخلها بما فيها من الأشجار الملتفة. ولما كان النخل ـ مع ما فيه من النفع ـ زينة دائما بكونه لا يسقط ورقه ، قدمه وسماه باسمه فقال : (مِنْ نَخِيلٍ) وفيه أيضا إشارة إلى أنه نفع كله خشبه وليفه وشعبه وخوصه وعراجينه وثمره طلعا وجمارا وبسرا ورطبا وتمرا ، ولذلك ـ والله أعلم ـ أتى فيه بصيغة جمع الكثرة كالعيون ، ولما كان الكرم لا تكون له زينة بأوراق تجن إلا ما كان العنب قائما قال : (وَأَعْنابٍ) ودل بالجمع فيهما دون الحب على كثرة اختلاف الأصناف في النوع الواحد الموجب للتفاوت الظاهر في القدر والطعم وغير ذلك.
ولما كانت الجنات لا تصلح إلا بالماء ، وكان من طبع الماء الغور في التراب والرسوب بشدة السريان إلى أسفل ، فكان فورانه إلى جهة العلو أمرا باهرا للعقل لا يكون إلا بقسر قاسر حكيم قال : (وَفَجَّرْنا) أي فتحنا تفتيحا عظيما (فِيها) ودل على تناهي عظمته وتعاليها عن أن يحاط بشيء منها بالتبعيض بقوله : (مِنَ الْعُيُونِ) والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء ، فكل موضع منها صالح لأن ينفجر منه الماء ، ولكن الله يمنعه عن بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس منها شيء غالبا على الأرض ، ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض لتكون موضعا للسكن ، ولو شاء لفجر الأرض كلها عيونا كما فعل بقوم نوح عليهالسلام فأغرق الأرض كلها.
ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء ، أشار إلى ذلك بقوله : (لِيَأْكُلُوا مِنْ) وأشارت قراءة حمزة والكسائي بصيغة الجمع مع إفراد الضمير إلى أن الشجرة الواحدة تجمع بالتطعيم أصنافا من الثمر (ثَمَرِهِ) أي من ثمر ما تقدم ، ولو لا الماء لما طلع ، ولو لا أنه بكثرة لما أثمر بعد الطلوع.
ولما كان الإنسان قد يتسبب في تربية بعض الأشياء ، أبطل سبحانه الأسباب فيما يمكن أن يدعو فيه تسببا ، ونبه على أن الكل بخلقه فقال : (وَما عَمِلَتْهُ) أي ولم تعمل شيئا من ذلك (أَيْدِيهِمْ) أي عملا ضعيفا ـ بما أشار إليه تأنيث الفعل فكيف بما فوقه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
