ولما ذكر القصور وزينتها ، ذكر آلات المأكل لأنها أول ما تطلب بعد الاستقرار في المسكن فقال : (وَجِفانٍ) أي صحاف وقصاع يؤكل فيها (كَالْجَوابِ) جمع جابية ، وهي الحوض الكبير الذي يجبى إليه الماء ، أي يجمع قيل : كان يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل.
ولما ذكر الصحاف على وجه يعجب منه ويستعظم ، ذكر ما يطبخ فيه طعامها فقال : (وَقُدُورٍ راسِياتٍ) أي ثابتات ثباتا عظيما بأن لا ينزع عن أثافيها لأنها لكبرها كالجبال. ولما ذكر المساكن وما تبعها ، أتبعها الأمر بالعمل إشارة إلى أنه صلىاللهعليهوسلم ومن تبعه لا يلهيهم ذلك عن العبادة فقال : (اعْمَلُوا) أي وقلنا لهم : تمتعوا واعملوا ، دل على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل فقال : (آلَ داوُدَ) أي كل ما يقرب إلى الله (شُكْراً) أي لأجل الشكر له سبحانه ، وهو تعظيمه في مقابلة نعمه ليزيدكم من فضله أو النصب على الحال أي شاكرين ، أو على تقدير : اشكروا شكرا ، لأن (اعْمَلُوا) فيه معنى «اشكروا» من حيث إن العمل للمنعم شكر له ، ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولا بهم ومعناه أنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا ـ على طريق المشاكلة (وَقَلِيلٌ) أي قلنا ذلك والحال أنه قليل. ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها بالمبالغة في الشكر أليق ، اسقط مظهرها فقال : (مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) أي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه ، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه مطلق الشكر كثير ، وأقل ذلك حال الاضطرار.
(فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤) لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦))
ولما كان ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ الأمر وسعة الحال وكثرة الجنود ، أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه على وجه دال على بطلان تعظيمهم للجن بالإخبار بالمغيبات بعد تنبيههم على مثل ذلك باستخدامه لهم بقوله : (فَلَمَّا) بالفاء ، ولذلك عاد إلى مظهر الجلال فقال : (قَضَيْنا) وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال : (عَلَيْهِ) أي سليمان عليهالسلام (الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
