جل المقصود تبشير المؤمنين وتحذير الكافرين ، وكان مخالفه كثيرا ، وكان هو غريبا بينهم ، قال في مظهر العظمة : (إِذْ نَجَّيْناهُ) أي على ما لمخالفيه من الكثرة والقوة ، ولم يذكرهم لأنهم أكثر الناس انغماسا في العلائق البشرية والقاذورات البهيمية التي لا تناسب مراد هذه السورة المنبني على الصفات الملكية (وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) ولما كان الكفر قاطعا للسبب القريب كما أن الإيمان واصلا للسبب البعيد قال : (إِلَّا عَجُوزاً) أي وهي امرأته فإن كفرها قطعها عن الدخول في حكم أهله فجردوا عنها ، كائنة (فِي الْغابِرِينَ) أي الباقين في غبرة العذاب ومساءة الانقلاب.
(ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢))
ولما ذكر نجاته وابتدأ بها اهتماما بالترجية قال مخوفا معبرا بأداة البعد إفادة مع الترتيب لعظيم رتبة ما دخلت عليه : (ثُمَّ دَمَّرْنَا) أي أهلكنا بما لنا من العظمة (الْآخَرِينَ) أي فجردنا الأرض من قاذوراتهم ونزهنا البلاد المقدسة منهم ومن أرجاس فعلاتهم ، فلم نبق منهم أحدا ولا احتجنا في إهلاكهم إلى استئذان أحد. ولما كان المقصود من مثل هذا تحذير المخالفين ، وكان تجار قريش يرون البقعة التي كانت فيها أماكن قوم لوط ، وهي البحيرة المعروفة ، ولا يعتبرون بهم ، عدوّا منكرين للمرور عليهم فأبرز لهم الكلام في سياق التأكيد فقيل : (وَإِنَّكُمْ) أي فعلنا بهم هذا والحال أنكم يا معشر قريش (لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ) أي مواضع ديارهم في تجاراتكم إلى الشام (مُصْبِحِينَ) أي داخلين في الصباح الوقت الذي قلبنا مدائنهم عليهم فيه ، ونص عليه للتذكير بحالهم فيه.
ولما كان لليل منظر في الهول غير منظر النهار قال : (وَبِاللَّيْلِ) ولما كان أمرهم كافيا للعاقل في التقوى ، أنكر عليهم تماديهم فيما كان سبب أخذهم من تكذيب الناصح فقال : (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أي يكون لكم عقول فتعتبروا بحالهم ، فتخافوا مثل مآلهم ، فتصدقوا رسولكم فإنكم أجدر منهم بالأخذ لأنه منكم وأنتم تعرفون من شرف أصله وكريم قوله وفعله ما لا يعرفه أولئك من رسولهم.
ولما أكمل سبحانه ما أراد من أمور من كان على أيديهم هلاك في الدنيا أو في الآخرة ، ختم بمن آل أمر قومه إلى سلامة وإيمان ونعمة وإحسان تغليبا للترجية على التأسية والتعزية فقال مؤكدا لأن ما يأتي من ذكر الاباق ربما أوهم شيئا في أمره : (وَإِنَ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
