(وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥))
ولما كان النبي صلىاللهعليهوسلم شديد المحبة لهداهم والحزن على ضلالهم ، والأسف على غيهم ومحالهم ، وكان الضلال مع العقل أولا ، ثم مع وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ثانيا كالمحال ، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق : (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ) أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم (أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) بحيث إنه لم يمض قرن بعد آدم عليهالسلام إلا وكله أو جله ضلال.
ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل ، نفى ذلك بقوله مؤكدا لنحو ذلك : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإتيان بما لا ريب فيه من البيان (فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن البيان ، ومع ذلك فغلب عليهم الضلال ، وعناد أهل الحق بالمحال ، حتى أهلكهم الله بما له من شديد المجال ، وهو معنى قوله : (فَانْظُرْ) أي فتسبب عن الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم : انظر (كَيْفَ) ولما كان ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلا قال : (كانَ عاقِبَةُ) أي آخر أمر (الْمُنْذَرِينَ) أي في إنا أهلكناهم لتكذيبهم ، فاصبر على الشدائد كما صبروا ، واستمر على الدعاء بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر الله.
ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم ، نبه على حال الطائعين بقوله مستثنيا من ضمير المنذرين : (إِلَّا عِبادَ اللهِ) أي الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال ، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه الأعظم (الْمُخْلَصِينَ) أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا فيها شوبا لغيره.
ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص ، ولذلك كان أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة الذين هم أنزه الخلق ، وكان أعلى الخلق من جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى يلحق بهم فيحوز مع فضلهم معالي الجهاد ، فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان أكثر تجريدا لنفسه من الشواغل سيرا إلى مولاه وتعريجا عن كل ما سواه ، وكان الأب الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى الله ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
