والجلال ، فصح أن المقاولة بين الملأ (إِذْ) أي حين. ولما أفرد وصف الملأ إيذانا بأنهم في الاتفاق في علو رتبة الطاعة كأنهم شيء واحد ، جمع لئلا يظن حقيقة الوحدة فقال : (يَخْتَصِمُونَ) أي في شأن آدم عليهالسلام ، أول خليفة في الأرض بل الخليفة المطلق ، لأن خلافة أولاده من خلافته ، وفي الكفارات الواقعة من بينه ، كما أنه ما كان لي من علم بأهل النار إذ يختصمون ، ولا بالخصم الذين دخلوا على داود عليهالسلام الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض إذ يختصمون ، وقد علمت ذلك علما مطابقا للحق بشهادة الكتب القديمة وأنتم تعلمون أني لم أخالط عالما قط ، فهذا علم من أعلام النبوة واضح في أني لم أعلم ذلك إلا بالوحي لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع ـ وإن كان قد وقع ومضى من أول الدهر ـ تذكيرا بذلك الحال وإعلاما بما هم فيه الآن من مثله في الدرجات ، كما سيأتي قريبا في الحديث القدسي ، وعبر في تخاصم أهل النار ـ وهو لم يأت ـ بالماضي تنبيها على أن وقوعه مما لا ريب فيه ، فكأنه وقع وفرغ منه لأنه قد فرغ من قضائه من لا يرد له قضاء ، لأنه الواحد فلا شريك له ولا منازع.
ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم : فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم تكن تعلم ، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه ، فتعجل لنا الموت ثم البعث لنرى ما أخبرتنا به من التخاصم مصورا ، لعلنا نصدقك فيما أتيت به ، قال مجيبا لهم قاصرا للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل إليه ، لا تعجيل شيء مما توعدوا به : (إِنْ) أي ما (يُوحى) أي في وقت من الأوقات ، وبناه للمفعول لأن ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية (إِلَيَّ إِلَّا) ولما كان الوحي قولا قرأ أبو جعفر بكسر (أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ) أي قصري على النذارة لا أني أنجز ما يتوعد به الله ؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح : إلا الإنذار أو إلا كوني نذيرا ، وعلى قراءة الكسر : إلا هذا القول وهو أني أقول لكم كذا (مُبِينٌ) أي لا أدع لبسا فيما أبلغه بوجه من الوجوه.
(إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤))
ولما دل على أنه نذير ، وأزال ما ربما أوردوه عليه ، أتبعه ظرف اختصام الملأ الأعلى ، أو بدل «إذ» الأولى فقال : (إِذْ) أي حين (قالَ) ودل على أن هذا كله
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
