لم يطلقوا ألسنتهم ولا أعلو كلمتهم ، فأخبر تعالى تحقيقا لقوله الماضي في جبنهم أن المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط جبنهم ، فقال تحقيقا لذلك وجوابا لمن ربما قال : قد ذهب الخوف فما لهم ما سلقوا؟ : (يَحْسَبُونَ) أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال ، وقد ذهب الخوف ، لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف (الْأَحْزابَ) وقد علمتم أنهم ذهبوا (لَمْ يَذْهَبُوا) بل غابوا خداعا ، وعبر بالحسبان لأنه ـ كما مضى عن الحرالي في البقرة ـ ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له ، والظن فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم ، قال : فكان ضعف علم العالم ظن ، وضعف عقل العاقل حسبان.
ولما أخبر عن حالهم في ذهابهم ، أخبر عن حالهم لو وقع ما يتخوفونه من رجوعهم ، فقال معبرا بأداة الشك بشارة لأهل البصائر أنه في عداد المحال : (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ) أي بعد ما ذهبوا (يَوَدُّوا) أي يتجدد لهم غاية الرغبة من الجبن وشدة الخوف (لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ) أي فاعلون للبدو وهو الإقامة في البادية على حالة الحل والارتحال (فِي الْأَعْرابِ) الذين هم عندهم في محل النقص ، وممن تكره مخالطته ولو كان تمنيهم في ذلك الحين محالا ؛ ثم ذكر حال فاعل (بادُونَ) فقال : (يَسْئَلُونَ) كل وقت (عَنْ أَنْبائِكُمْ) العظيمة معهم جريا على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجها كأنهم مهتمون بكم ، يظهرون بذلك تحرقا على غيبتهم عن هذه الحرب أو ليخفوا غيبتهم ويظهروا أنهم كانوا بينكم في الحرب بأمارة أنه وقع لكم في وقت كذا أو مكان كذا كذا ، ويكابروا على ذلك من غير استحياء لأن النفاق صار لهم خلقا لا يقدرون على الانفكاك عنه ، ويرشد إلى هذا المعنى قراءة يعقوب «يسالون» بالتشديد (وَلَوْ) أي والحال أنهم لو (كانُوا فِيكُمْ) أي حاضرين لحربهم (ما قاتَلُوا) أي معكم (إِلَّا قَلِيلاً) نفاقا كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى ، والتعويق لغيرهم بالفعل كرة ، والتصريح بالقول أخرى.
(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً (٢١) وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤))
ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة ، أقبل عليهم إقبالا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
