الكمال الاتحاد في الأفعال ، فقال معبرا بالاسمية حثا على أن جعلوا ذلك لهم خلقا ثابتا لا ينفك : (وَأَمْرُهُمْ) أي كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير (شُورى) أي يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين مما لهم من قوة الباطن وصفائه في الإخلاص والنصح ، من الشور وهو العرض والإظهار (بَيْنَهُمْ) أي بحيث إنهم لا فرق في حال المشاورة بين كبير منهم وصغير بل كل منها يصغي إلى كلام الآخر وينظر في صحته وسقمه بتنزيله على أصول الشرع وفروعه ، فلا يستبدل أحد منهم برأي لدوام اتهامه لرأيه لتحققه نقصه بما له من غزارة العلم وصفاء الفهم ولا يعجلون في شيء بل صار التأبي لهم خلقا ، وسوق المشورة هذا السياق دال على عظيم جدواها وجلالة نفعها قال الحسن رحمهالله : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم ـ على أنه روى الطبراني في الصغير والأوسط لكن بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد» (١) ، وروى في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «من أراد أمرا فشاور فيه أمرأ مسلما وفقه الله لأرشد أمره» (٢).
ولما كانت المواساة بالأموال بعد الاتحاد في الأقوال والاتفاق في الأفعال أعظم جامع على محاسن الخلال ، واظهر دال على ما ادعى من الاتحاد في الحال والمآل ، قال مسهلا عليهم أمرها بأنه لا مدخل لهم في الحقيقة في تحصيلها راضيا منهم باليسير منها : (وَمِمَّا) ولفت القول إلى مظهر العظمة تذكيرا بما يتعارفونه بينهم من أنه لا مطمع في التقرب من العظماء إلا بالهدايا فقال : (رَزَقْناهُمْ) أي بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة (يُنْفِقُونَ) أي يديمون الإنفاق كرما منهم وإن قل ما بأيديهم اعتمادا على فضل الله سبحانه وتعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين ، وذلك الإنفاق على حسب ما حددناه لهم فواسوا بالمشورة في فضل عقولهم وبالإنفاق في فضل أموالهم تقوى منهم ومراقبة لله لا شهوة نفس.
ولما كان في العقوبة مصلحة ومفسدة فندب سبحانه إلى المغفرة تقديما لدرء المفسدة لأن الإنسان لعدم علمه بالقلوب لا يصح له بوجه أن يعاقب بمجرد الغضب
__________________
(١) ضعيف أخرجه الطبراني في الصغير ٩٨٠ وفي الأوسط كما في المجمع ٨ / ٩٦ (٣١٥٧) والديلمي ٦٢٣٠ من حديث أنس وقال الهيثمي : وفيه عبد السّلام بن عبد القدوس ، وكلاهما ضعيف.
ـ وذكره ابن حجر في الفتح عند تعليقه على الحديث رقم ٦٣٨٢ وقال : أخرجه الطبراني في الصغير بسند واه جدا.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٨ / ٩٦ من حديث ابن عباس وقال الهيثمي : العقيلي متروك.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
