بالقدرة على البعث من خلق الخلق والإنجاء من كل كرب ونحو ذلك ، أشار إليه بقوله : (بَلْ) أي ليسوا بمنكرين لقدرته سبحانه ، بل (هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ) المحسن بالإيجاد والإبقاء مسخرا لهم كل ما ينفعهم في الآخرة للحساب أحياء سويين كما كانوا في الدنيا ، والإشارة بهذه الصفة إلى أنه لا يحسن بالمحسن أن ينغص إحسانه بترك القصاص من الظالم الكائن في القيامة (كافِرُونَ) أي منكرون للبعث عنادا ، ساترون لما في طباعهم من أدلته ، لما غلب عليهم من الهوى القائد لهم إلى أفعال منعهم من الرجوع عنها الكبر عن قبول الحق والأنفة من الإقرار بما يلزم منه نقص العقل.
(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣))
ولما ذكر استبعادهم ، وأتبعه عنادهم ، وكان إنكارهم إنما هو بسبب اختلاط الأجزاء بالتراب بعد انقلابها ترابا ، فكان عندهم من المحال تمييزها من بقية التراب. دل على أن ذلك عليه هين بأن نبههم على ما هم مقرّون به مما هو مثل ذلك بل أدق. فقال مستأنفا : (قُلْ) أي جوابا لهم عن شبهتهم : (يَتَوَفَّاكُمْ) أي يقبض أرواحكم كاملة من أجسادكم بعد أن كانت مختلطة بجميع أجزاء البدن ، لا تميز لأحدهما عن الآخر بوجه تعرفونه بنوع حيلة (مَلَكُ الْمَوْتِ) ثم أشار إلى أن فعله بقدرته ، وأن ذلك عليه في غاية السهولة ، ببناء الفعل لما لم يسم فاعله فقال : (الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) أي وكله الخالق لكم بذلك ، وهو عبد من عبيده ، ففعل ما أمر به ، فإذا البدن ملقى لا روح في شيء منه وهو على حاله كاملا لا نقص في شيء منه يدعي الخلل بسببه ، فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده صرفه في ذلك فقام به على ما ترونه مع أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية التراب لأنه ربما يستدل بعض الحذاق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه ، فكيف يستبعد شيء من الأشياء على رب العالمين ، ومدير الخلائق أجمعين؟.
فلما قام هذا البرهان القطعي الظاهر مع دقته لكل أحد على قدرته التامة على تمييز ترابهم من تراب الأرض ، وتمييز بعض تربهم من بعض ، وتمييز تراب كل جزء من أجزائهم جل أو دق عن بعض. علم أن التقدير : ثم يعيدكم خلقا جديدا كما كنتم أول مرة ، فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه السياق ولم يدع داع إلى ذكره
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
