(وَما) أي والحال أنه ما (يُبْدِئُ الْباطِلُ) أي الذي أنتم عليه وغيره في كل حال حصل فيه تفريعه على مر الأيام (وَما يُعِيدُ) بل هو كالجماد لا حركة به أصلا ، لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا البيان افتضح ، فإن لم ترجعوا عنه طوعا رجعتم وأنتم صغرة كرها ، والحاصل أن هذا كناية عن هلاكه بما يهز النفس ويرفض الفكر بتمثيله بمن انقطعت حركته ، وذهبت قوته ، حتى لا يرجى بوجه.
(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣))
ولما لم يبق بعد هذا إلا أن يقولوا عنادا : أنت ضال ، ليس بك جنون ولا كذب ، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة ، قال : (قُلْ) أي لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم الأدب : (إِنْ ضَلَلْتُ) أي عن الطريق على سبيل الفرض (فَإِنَّما أَضِلُ) ولما كان الله تعالى قد جعل العقل عقلا يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى ، وكان الغلط لا يأتي إلا من شواغل النفس بشهواتها وحظوظها ، فكان التقدير : بما في نفسي من الشواغل العاقلة للعقل ، قال مشيرا إلى ذلك : (عَلى نَفْسِي) أي لأن الضلال إذا استعلى على شيء ظهر أمره فيتبين عواره فيلزم عاره ، ويصير صاحبه بحيث لا يدري شيئا ينفع ولا يعيد ، ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة كما وقع في مذاهبكم كلها ، لأن الله تعالى جعل العقول الصحيحة معيارا على ذلك ، فمهما ذكرت طرق الحق وحررت ظهر أمر الباطل وافتضح. ولما كانت النفس منقادة بل مترامية نحو الباطل ، عبر في الضلال بالمجرد ، وفي الهدى بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد فيه من هاد وعلاج ، وعبر بأداة الشك استعمالا للانصاف فقال : (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما) أي فاهتدائي إنما هو بما (يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) أي المحسن إليّ لا بغيره ؛ فلا يمكن فيه ضلال لأنه لا حظ فيه للنفس أصلا ، فلا يقدر أحد على شيء من طعن في شيء منه ، وهداي لنفسي ، فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى تسديدهم النظر وتقويمه وتهذيب الفكر وتثقيفه ، وهي من الاحتباك : حذف أولا كون الضلال من نفسه بما دل عليه ثانيا من أن الهدى من الوحي ، وثانيا كون الهدى له بما دل عليه من كون الضلال عليه ، ثم علل الضلال والهدى بقوله : (إِنَّهُ) أي ربي (سَمِيعٌ قَرِيبٌ) أي لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه ، فهو جدير بأن يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
