الكثرة والنعمة ، فأذاقهم الجدب سنين متوالية ، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه ؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله ، معبرا بما يصلح للغيرية والسفول : (دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ) أي الذي مر ذكره في الآخرة (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينظره ، وقد كان ذلك ، رجع كثير منهم خوفا من السيف ، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حبا.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤))
. ولما كان التقدير : يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون ، عطف عليه قوله : (وَمَنْ أَظْلَمُ) منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال : (مِمَّنْ ذُكِّرَ) أي من أيّ مذكر كان وصرف القول إلى صفة الإحسان استعطافا وتنبيها على وجوب الشكر فقال : (بِآياتِ رَبِّهِ) أي الذي لا نعمة عنده إلا منه.
ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات ، فكان الإعراض عنها مستبعدا بعده ، عبر عنه بأداة البعد لذلك فقال : (ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها) ضد ما عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجدا ، ويجوز ـ وهو أحسن ـ أن يكون «ثم» على بابها للتراخي ، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما ، فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين ، ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعدم النسيان ، فهي أبلغ من التعبير بالفاء كما في سورة الكهف ، ويكون عدل إلى الفاء هناك شرحا لما يكون من حالهم ، عند بيان سؤالهم ، الذي جعلوا بأنه آية الصدق ، والعجز عنه آية الكذب.
ولما كان الحال مقتضيا للسؤال عن جزائهم ، وكان قد فرد الضمير باعتبار لفظ «من» تنبيها على قباحة الظلم من كل فرد ، قال جامعا لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى ، مؤكدا لأن إقدامهم على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه ، صارفا وجه الكلام عن صفة الإحسان إيذانا بالغضب : (إِنَّا) منهم ، هكذا كان الأصلي ، ولكنه أظهر الوصف نصا في التعميم وتعليقا للحكم به معينا لنوع ظلمهم تبشيعا له فقال : (مِنَ الْمُجْرِمِينَ) أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة (مُنْتَقِمُونَ)
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
