منه ، وهو على ثلاث درجات : الأولى أن تعلم أن العبد لا يملك قبل علمه استطاعة ، فلا يأمن من مكر ، ولا ييأس من معونة ، ولا يعول على نية ، والثانية معاينة الاضطرار فلا ترى عملا منجيا ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا ، والثالثة شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط والتفريق والجمع.
ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة ، علل ذلك بيانا لمراده بقوله مؤكدا لأن عملهم في مكرهم به عمل من يظن أنه سبحانه لا يبصرهم ولا ينصره : (إِنَّ اللهَ) وكرر الاسم الأعظم بيانا لمراده بأنه (بَصِيرٌ) أي بالغ البصر (بِالْعِبادِ) ظاهرا وباطنا ، فيعلم من يستحق النصرة فينصره لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة.
(فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠))
ولما تسبب عن نصحه هذا لهم والتجائه إلى ملك الملوك حفظه منهم على عظم الخطر ، قال تعالى مخبرا أنه صدق ظنه (فَوَقاهُ اللهُ) أي جعل له وقاية تجنه منهم بما له سبحانه من الجلال والعظمة والكمال جزاء على تفويضه (سَيِّئاتِ) أي شدائد (ما مَكَرُوا) دينا ودنيا ، فنجاه مع موسى عليهالسلام تصديقا لوعده سبحانه بقوله (أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ) [القصص : ٣٥] ولما كان المكر السيء لا يحيق إلا بأهله قال : (وَحاقَ) أي نزل محيطا بعد إحاطة الإغراق (بِآلِ فِرْعَوْنَ) أي كلهم فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم ، فالإحاطة بفرعون من باب الأولى وإن لم نقل : إن الآل مشترك بين الشخص والأتباع ، لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه فهو مفهوم موافقة (سُوءُ الْعَذابِ) أي العقوبة المانعة من كل مستعذب ، ثم بين ذلك بقوله : (النَّارُ) أي حال كونهم (يُعْرَضُونَ عَلَيْها) أي في البرزخ (غُدُوًّا وَعَشِيًّا) أي غادين ورائحين في وقت استرواحهم بالأكل واستلذاذهم به ـ هذا دأبهم طول أيام البرزخ ، وكان عليهم في هذا العرض زيادة نكد فوق ما ورد
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
