(النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨))
ولما نهى سبحانه عن التبني ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه ، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالا على أن الأمر أعظم من ذلك : (النَّبِيُ) أي الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال ، ويرفعه دائما في مراقي الكمال ، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال (أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ) أي الراسخين في الإيمان ، فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فضلا عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم ، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم ، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني ، فأيّ حاجة له إلى السبب الجسماني (وَأَزْواجُهُ) أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته (أُمَّهاتُهُمْ) أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء ، لأنه لا محذور من جهة النساء ، وذلك في الحرمة والإكرام ، والتعظيم والاحترام ، وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الأحكام ، لا فرق بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلا ، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص ، لأن حق النبي صلىاللهعليهوسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده ، وهو حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو الذي إذا جعل شيئا كان ، لأن الأمر أمره والخلق خلقه ، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك : ١٤] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني وأنا مولاه».
ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها ، ونهى عن التشتت والتشعب ، وكان من ذلك أمر التبني ، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديما من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلىاللهعليهوسلم لما كان الأمر محتاجا إليها ، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال ، وهي قبل هذه السورة ترتيبا ونزولا ، وكان ما ذكر هنا فردا داخلا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
