فصبر أتم الصبر في ذلك الضر ، وأبلغ في الحمد والشكر ، فقال تعالى : (وَيَعْقُوبَ) وألحقهما سبحانه بأبيها بعد أن بينت قراءة الإفراد إصالته في المدح بالعبودية فعطفهما عليه نفسه في قراءة غير ابن كثير (عِبادَنا) بالجمع كما قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور : ٢١].
ولما اجتمعوا بالعطف أو البدل وصفهم بقوله : (أُولِي الْأَيْدِي) أي القوة الشديدة والأعمال السديدة لأن الأيدي أعظم آلات ذلك (وَالْأَبْصارِ) أي الحواس الظاهرة والباطنة التي هي حقيقة بأن تذكر وتمدح بها لقوة إدراكها وعظمة نفوذها فيما هو جدير بأن يراعى من جلال الله ومراقبته في الحركات والسكنات سرا وعلنا ، وعبر عن ذلك بالأبصار لأنها أقوى مبادئه ، ومن لم يكن مثلهم كان مسلوب القوة والعقل ، فلم يكن له عقل فكان عدما ، فهو أعظم توبيخ لمن رزقه الله قوة وعقلا ، ثم لا يصرفه في عبادة الله والمجاهدة فيه سبحانه.
(إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠))
ولما اشتد تشوف السامع لما استحقوا به هذا الذكر ، قال مؤكدا إشارة إلى محبته سبحانه لمدحهم وردّا على من ينسب إليهم أو إلى أحد منهم ما لا يليق كما كذبه اليهود فيما بدلوه من التوراة في حق إسحاق عليهالسلام في بعض المواضع معديا للفعل بالهمزة إشارة إلى أنه جذبهم من العوائق إليه جذبة واحدة هي في غاية السرعة : (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ) أي لنا إخلاصا يليق بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة (بِخالِصَةٍ) أي أعمال وأحوال ومقامات وبلايا ومحن هي سالمة عن شوب ما ، فصاروا بالصبر عليها في غاية الخلوص.
ولما كان سبب الإخلاص تذكر يوم الدين وما يبرز فيه من صفات الجلال والجمال وينكشف فيه من الأمور التي لا توصف عظمتها ، بينها بقوله : (ذِكْرَى الدَّارِ) أي تذكرهم تلك الخالصة تذكيرا عظيما لا يغيب عنهم أصلا الدار التي لا يستحق غيرها أن يسمى دارا بوجه بحيث نسوا بذكر هذا الغائب ذكر ما يشاهدونه من دار الدنيا فهم لا ينظرون إليه أصلا بغضا فيها ، فقد أنساهم هذا الغائب الثابت الشاهد الزائل عكس ما عليه العامة ، وإضافة نافع وأبي جعفر وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه لخالصة مؤيد لما قلت من أن ذكرى بيان لأنها إضافة الصفة إلى الموصوف ، والمعنى أنهم لا يعملون شيئا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
