ولما كان الخافقان خزائن الكائنات ، وكان لا يتصرف في الخزائن إلا ذو المفاتيح ، قال دالّا على وكالته : (لَهُ) أي وحده (مَقالِيدُ) واحدها مقلاد مثل مفتاح ، ومقليد مثل قنديل ، وهي المفاتيح والأمور الجامعة القوية وهي استعارة لشدة التمكن من (السَّماواتِ) أي جميع أعدادها (وَالْأَرْضِ) أي جنسها خزائنهما وأمورهما ومفاتيحهما الجامعة لكل ما فيهما ، فلا يمكن أن يكون فيهما شيء ولا أن يتصرف فيه شيء منهما ولا فيهما أحد إلا بإذنه فلا بدع في تنجيته الذين اتقوا.
ولما كان التقدير : فالذين آمنوا بالله وتقبلوا آياته أولئك هم الفائزون ، عطف عليه قوله الذي اقتضاه سياق التهديد : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي لبسوا ما اتضح لهم من الدلالات ، وجحدوا أن تكون الأمور كلها بيده (بِآياتِ اللهِ) أي الذي لا ظاهر غيرها ، فإنه ليس في الوجود إلا ذاته سبحانه وهي غيب لا يمكن المخلوق دركها ، وأفعاله وهي أظهر الأشياء ، وصفاته وهي غيب من جهة شهادة من جهة أخرى (أُولئِكَ) البعداء البغضاء (هُمُ) خاصة (الْخاسِرُونَ) فإنهم خسروا نفوسهم وكل شيء يتصل بها على وجه النفع لأن كفرهم أقبح الكفر من حيث إنه متعلق بأظهر الأشياء.
ولما قامت هذه الدلائل كما ترى قيام الأعلام ، فانجابت دياجير الظلام ، وكان الجهلة قد دعوه صلىاللهعليهوسلم كما قال المفسرون في أول سورة ص ـ إلى أن يكف عن آلهتهم ، وكان الإقرار عليها عبادة لها ، تسبب عن ذلك أمره صلىاللهعليهوسلم بما يصدعهم به بقوله : (قُلْ) ولما كان مقام الغيرة يقتضي محو الأغيار ، وكان الغير إذا انمحى تبعه جميع أعراضه ، قدم الغير المفعول لأعبد المفعول ـ على تقدير «أن» ـ لتأمر فقال : (أَفَغَيْرَ اللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا يقر على فساد أصلا.
ولما كان تقديم الإنكار على فعلهم لهم أرجع ، وتأخير ما سبق من الكلام لإنكاره أروع ، وكان مد الصوت أوكد في معنى الكلام وأفزع وأهول وأفظع ، قال صارفا الكلام إلى خطابهم ، لأنه أقعد في إرهابهم وأشد في اكتئابهم (تَأْمُرُونِّي) بالإدغام المقتضي للمد في قراءة أكثر القراء. ولعل الإدغام إشارة إلى أنهم حاولوه صلىاللهعليهوسلم في أمر آلهتهم على سبيل المكر والخداع. ولما قرر الإنكار لإثبات الأغيار ، أتم تقرير ذكر العامل في (غير) فقال حاذفا «أن» المصدرية لتصير صلتها في حيز الإنكار : (أَعْبُدُ) وهو مرفوع لأن «أن» لما حذفت بطل عملها ، ولم يراع أيضا حكمها ليقال : إنه يمتنع نصب «غير» بها لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول.
ولما كانت عبادة غير الله أجهل الجهل ، وكان الجهل محط كل سفول ، قال :
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
