(إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨))
ولما آذنت اللام بعلوهم ، أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى واحد بقوله : (إِنَّهُمْ) وزاد في تأكيده في نظير ما عند الكفرة على ما تدل عليه أعمالهم أنه في غاية البعد فقال : (لَهُمُ) أي خاصة (الْمَنْصُورُونَ) أي الثابت نصرهم في الجدال والجلاد وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما. ولما خص بذلك المرسلين ، عم فقال : (وَإِنَّ جُنْدَنا) أي من المرسلين وأتباعهم ، ولما كان مدلول الجند في اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفا من الخلق على حدة ، قال جامعا على المعنى دون اللفظ نصا على المراد : (لَهُمُ) أي لا غيرهم (الْغالِبُونَ) أي وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم يكن في هذه الدار فهو في دار القرار ، وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما ، وسمى هذا كله كلمة لانتظامه معنى واحدا ، ولا يضر انهزام في بعض المواطن من بعضهم ولا وهن قد يقع ، وكفى دليلا على هذا سيرة النبي صلىاللهعليهوسلم والخلفاء الثلاثة بعده رضي الله عنهم.
ولما ثبت لا محالة بهذا أنه صلىاللهعليهوسلم هو المنصور لأنه من المرسلين ومن جند الله ، بل هو أعلاهم ، سبب عن ذلك قوله : (فَتَوَلَ) أي فكلف نفسك الإعراض (عَنْهُمْ) أي عن ردهم عن الضلال قسرا (حَتَّى حِينٍ) أي مبهم ، وهو الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل (وَأَبْصِرْهُمْ) أي ببصرك وبصيرتك عند الحين الذي ضربناه لك وقبله : كيف تؤديهم أحوالهم وتقلباتهم كلما تقلبوا إلى سفول.
ولما كانوا قبل الإسلام عميا صمّا لأنهم لا يصدقون وعدا ولا وعيدا ، ولا يفكرون في عاقبة ، حذف المفعول من فعلهم فقال متوعدا محققا بالتسويف لا مبعدا : (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) أي يحصل لهم الإبصار الذي لا غلط فيه بالعين والقلب بعد ما هم فيه من العمى ، وهذا الحين واضح في يوم بدر وما كان من أمثاله قبل الفتح ، فإنهم كان لهم في تلك الأوقات نوع من القوة ، فلذلك أثبتهم نوع إثبات في أبصرهم.
ولما كانت عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء كلما ورد عليهم تهديد ، سبب عن ذلك الإنكار عليهم على وجه هو تهديد آخر لهم فقال : (أَفَبِعَذابِنا) أي على ما علم له من العظمة بإضافته إلينا (يَسْتَعْجِلُونَ) أي يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم قبل أوانه الذي ضربناه له. ولما علم من هذا أنه لا بشرى لهم يوم حلوله ، ولا قرار عند نزوله ، صرح بذلك في قوله : (فَإِذا) أي هددناهم وأنكرنا عليهم بسبب أنه إذا (نَزَلَ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
