|
بميزان قسط لا يخيس شعيرة |
|
له شاهد من نفسه غير عائل |
ضاقت النفوس من خوف الطول ، فخفف عنها بقوله معلما أن أموره على غير ما يعهدونه ، ولذلك أكد وعظم باظهار الاسم الأعظم : (إِنَّ اللهَ) أي التام القدرة الشامل العلم (سَرِيعُ الْحِسابِ) أي بليغ السرعة فيه ، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير ، ولا يشغله شأن عن شأن لأنه لا يحتاج إلى تكلف عد ، ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب ، ولا شيء ، فكان في ذلك ترجية للفريقين وتخويف ، لأن الظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب ، والمؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب.
(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠))
ولما تم هذا على هذا الوجه المهول ، وكان يوم القيامة له أسماء تدل على أهواله باعتبار مواقفه وأحواله ، منها يوم البعث وهو ظاهر ، ومنها يوم التلاق لما تقدم ، ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه خسارته ، ومنها يوم الآزفة لقربه وسرعة أخذه ، وكان كأنه قيل خطابا للنبي صلىاللهعليهوسلم : وأنت ممن ألقينا إليك هذا الروح الأعظم من أمرنا فأنذرهم ما مضى من يوم التلاقي وما عقبناه به ، عطف عليه قوله زيادة في بيان هوله إعلاما بأنه مع ثبوته وثبوت التلاقي فيه قريب تحذيرا من تزيين إبليس للشهوات وتقريره بالتسويف بالتوبة : (وَأَنْذِرْهُمْ) أي هؤلاء المعرضين إعراض من لا يجوز الممكن (يَوْمَ الْآزِفَةِ) أي الحالة الدائبة العاجلة السريعة جدا مع الضيق في الوقت وسوء العيش لأكثر الناس ، وهي القيامة ، كرر ذكرها وذكر الإنذار منها تصريحا وتلويحا تهويلا لها وتعظيما لشأنها.
ولما ذكر اليوم ، هول أمره بما يحصل فيه من المشاق فقال : (إِذِ الْقُلُوبُ) أي من كل من حضره. ولما كان هذا الرعب على وجه غريب باطن ، عبر ب «لدى» فقال : (لَدَى الْحَناجِرِ) أي حناجر المجموعين فيه إلا من شاء الله ، وهي جمع حنجور وهي الحلقوم وزنا ومعنى ، يعني أنها زالت عن أماكنها صاعدة من كثرة الرعب حتى كادت تخرج وصارت مواضعها من الأفئدة هواء ، وكانت الأفئدة معترضة كالشجا لا هي ترجع إلى مقارها فيستريحوا ولا تخرج فيموتوا.
ولما كان الحديث ـ وإن كان في الظاهر عن القلوب ـ إنما هو عن أصحابها ، جمع على طريقة جمع العقلاء ، وزاده حسنا أن القلوب محل الكظم ، وبها صلاح الجملة وفسادها ، وقد أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال : (كاظِمِينَ) أي ممتلئين خوفا ورعبا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
