ولذا عبروا بما منه الإذن (ما مِنَّا) وأكدوا النفي بإدخال الجار في المبتدأ المؤخر فقالوا : (مِنْ شَهِيدٍ) أي حي دائما حاضر دون غيبة ، مطلع على ما يريد من غير خفاء بحيث لا يغيب عن علمه شيء فيخبر بما يخبر به على سبيل القطع والشهادة ، فآل الأمر إلى أن المعنى : لا نعلم أي ما كنا نسميهم شركاء لأنه ما منا من هو محيط العلم.
ولما قرر جهلهم ، أتبعه عجزهم فقال : (وَضَلَ) أي ذهب وشذ وغاب وخفي (عَنْهُمْ) ولما كانت معبوداتهم إما ممن لا يعقل كالأصنام وإما في عداد ذلك لكونهم لا فعل لهم في الحقيقة ، عبر عنهم بأداة ما لا يعقل فقال : (ما كانُوا) أي دائما (يَدْعُونَ) في كل حين على وجه العبادة.
ولما كان دعاؤهم لهم غير مستغرق لزمان القبل ، أدخل الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) فهم لا يرونه فضلا عن أنهم يجدون نفعه ويلقونه ، وكأنهم كانوا لما هم عريقون فيه من الجهل وسوء الطبع يتوقعون أن يظفروا بهم فيشفعوا لهم ، فلذلك عبر بالظن في قوله : (وَظَنُّوا) أي في ذلك الحال (ما لَهُمْ) وأبلغ في النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال (مِنْ مَحِيصٍ) أي مهرب وملجأ ومعدل.
(لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١))
ولما دل أتباعهم للظن حتى في ذلك اليوم الذي تنكشف فيه الأمور ، وتظهر عظائم المقدور ، وإلقاؤهم بأيديهم فيه على أنهم في غاية العراقة في الجهل والرسوخ في العجز ، أتبع ذلك الدليل على أن ذلك طبع هذا النوع فلا يزال متبدل الأحوال متغير المناهج ، إن أحس بخير انتفخ عظمه وتطاول كبرا ، وإن مس ببلاء تضاءل ذلا وأمتلأ ضعفا وعجزا ، وذلك ضد مقصود السورة الذي هو العلم ، بيانا لأن حال هذا النوع بعيد من العلم ، عريق الصفات في الجهل والشر إلا من عصمه الله فقال تعالى : (لا يَسْأَمُ) أي يمل ويضجر (الْإِنْسانُ) أي من الأنس بنفسه الناظر في أعطافه ، الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية (مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) أي من طلبه طلبا عظيما ، وذلك دال مع شرهه على جهله ، فإنه لو كان عالما بأن الخير يأتيه أو لا يأتيه لخفف عن نفسه من جهده في الدعاء (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) [الأعراف : ١٨٨] (وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ) أي هذا النوع قليله وكثيره بغتة من جهة لا يتوقعها
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
