ويكون لحث أو منع ، وإنما يكون ذلك للمقدور عليه الذي فعل ما يغضب الزاجر ، فلذلك سمى الصيحة زجرة.
ولما كان هذا الكلام مؤذنا بالغضب ، حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلا لهم بمحل البعد وتعميما لغيرهم ، فقال معبرا بالفاء المسببة المعقبة وأداة المفاجأة : (فَإِذا هُمْ) أي جميع الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم منهم والحديث أحياء (يَنْظُرُونَ) أي في الحال من غير مهلة أصلا ، ولا فرق بين من صار كله ترابا ومن لم يتغير أصلا ، ومن هو بين ذلك ، ولعله خص النظر بالذكر لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة ، ولذلك قال صلىاللهعليهوسلم : إذا قبض الروح تبعه البصر (١). وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنه صلىاللهعليهوسلم قال في الكفار من قتلى بدر : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم (٢). وشاهدت أنا في بلاد العرقوب المجاورة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك يقال لها الغبيراء متى قيل عندها «هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة» أخذ ورقها في الحال في الذبول ـ فالله أعلم ما سبب ذلك.
(وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨))
ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع ، عطف عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاما بتحقق الأمر تحقق ما مضى وكان ، وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلا فقال : (وَقالُوا) أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل : (يا وَيْلَنا) أي يا من ليس لنا نديم غيره (هذا يَوْمُ الدِّينِ) أي الجزاء لكل عامل.
ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به ، زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضا بدلا أو وصفا بعد وصف دالين بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم من الهول : (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) أي الذي يفصل فيه بين
__________________
(١) أخرجه أحمد ٦ / ٢٩٧ ومسلم ٩٢٠ وأبو داود ٣١١٨ والنسائي في الفضائل ١٨٠ والطبراني ٢٣ / (٧١٢) وابن حبان ٧٠٤١ والبيهقي ٣ / ٣٨٤ عن أم سلمة رضي الله عنها.
(٢) أخرجه البخاري ٣٩٧٦ عن أبي طلحة رضي الله عنه.
وأخرجه أحمد ٣ / ١٠٤ و ١٨٢ و ٢٦٣ ومسلم ٢٨٧٤ وابن حبان ٦٤٩٨ عن أنس رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
